الرئيسية | أخبار دولية | الثورة وصلت إلى أميركا

الثورة وصلت إلى أميركا

بواسطة

 

لا تصدّقوا من يقول إنه ليس للحركة الجديدة التي رأت النور في الولايات المتحدة قبل بضعة أسابيع تحت اسم "احتلوا وول ستريت" هدف أو غايات واضحة.

إنها حركة شعبية وُلِدت من رحم الإحباط الذي تشعر به غالبية الأميركيين الذين يعيشون في ظل الحكم الرأسمالي ويخضعون له. فإما أن ينصاعوا ويدفعوا الضرائب وإما أن يتعرّضوا لعقوبات شديدة ويُزَجّوا في السجن. وإذا تأخّروا في تسديد دفعات بطاقة الائتمان تُفرَض عليهم غرامات طائلة ويتكبّدون فوائد أعلى. ويدفعون صاغرين رسوماً مصرفية في مقابل معاملات بسيطة فيخضعون بذلك لتحكّم المصرفيين بهم. وعليهم أن يذعنوا، لأنه لا رأي ولا سلطة لهم على الإطلاق على رغم أن المال الذي تستخدمه المصارف هو ملك لهم، لا بل أكثر من ذلك تسيء المصارف استخدام هذا المال فيما تُغرِق البلاد بأسرها في ركود يبدو عصيّاً على الحل في هذه المرحلة.

يخسر الأميركيون منازلهم إذا تخلّفوا عن تسديد دفعات الرهن العقاري. يعملون بكد شديد من أجل كسب رزقهم وعيش حياة كريمة، وتوفير تعليم لائق لأولادهم، وأيضاً من أجل مستقبل مشرق إذا أسعفهم الحظ. كان هذا يُسمّى في الزمن الجميل "الحلم الأميركي"، أما الآن فالحلم أقرب إلى الكابوس، ذلك أن عددا كبيرا من الأميركيين عاطل عن العمل، ولا يُفيد من الرعاية الصحية، وتثقل الديون والفواتير كاهله من غير أن تكون لديه أي وسيلة لتسديدها. حركة "احتلوا وول ستريت" تريد تغيير هذا الواقع.

لقد صُعِقت غالبية الأميركيين عندما تنعّم المصرفيون والمديرون التنفيذيون في وول ستريت بإنقاذ مالي عام 2008 بعدما جرّوا الاقتصاد الأميركي إلى الهاوية بسبب جشعهم وغطرستهم وسوء إدارتهم. يخشى أميركيون كثر أن يذهب المال الذي ادّخروه طوال حياتهم هباءً فيما يعاني مزيد من المصارف الإفلاس. ويريدون أن تكون البرامج الحكومية الحيوية مثل الضمان الاجتماعي و"مديكيد" و"مديكير" جاهزةً لدعمهم عندما يتقاعدون. والأميركيون أنفسهم الذين يساهمون في صندوق الضمان الاجتماعي من طريق الضرائب يطالبون بمساهمات عادلة من الجميع تتناسب مع المداخيل. بعبارة أخرى، من يجنون دخلاً أعلى عليهم دفع حصّة أكبر من الضرائب، وإلا يشكّلون عبئاً على الصندوق المشترك.

الناس مستاؤون جدا من الأزمة الاقتصادية التي حصلت عام 2008، والحروب الباهظة جداً التي تنخرط فيها الولايات المتحدة منذ عام 2001، والمنظومة غير المنصفة التي تعاقب الطبقة الوسطى والفقراء فيما تستمر في منح فرص لفاحشي الثراء. كان مؤلماً جداً أن يرى الناس الأموال التي ادّخروها طوال حياتهم تختفي أمام أنظارهم، في حين أن الأشخاص الذين تسبّبوا بالأزمة حصلوا على ملايين الدولارات تحت ستار الادّعاء أنه السبيل لإنقاذ البلاد من "أزمة اقتصادية أشد استفحالاً". صدّق كثر هذه الرواية، وتجرّعوا الكأس المرة ظناً منهم أن هناك من هو أكثر دراية منهم وسوف يُخرج الولايات المتحدة من متاعبها، لكن ذلك لم يحصل إطلاقا. يبدو أن حياة الواحد في المئة الذين يقعون في أعلى الهرم استمرّت كالمعتاد، في حين أنّ ظروف العيش راحت تسوء أكثر فأكثر بالنسبة إلى التسعة والتسعين في المئة الآخرين.

ثم جاء الربيع العربي. شاهد الأميركيون الشباب العرب ينتفضون على الظلم واللامساواة. وقد صفّق كثر منهم لتصميم العرب وصمودهم بعدما ضاقوا ذرعاً بما يجري في بلدانهم، وحوّلوا تركيزهم من المطالبة بالتغيير إلى اعتباره حقاً من حقوقهم يجب السعي إلى انتزاعه. شاهد الأميركيون العرب يفرضون التغيير بالطرق الأكثر سلميّة على رغم أن الأنظمة الديكتاتورية حاولت إسكاتهم بشتّى الوسائل.

وراقب الأميركيون عن كثب أيضاً الاستخدام الناجح للتكنولوجيا من أجل نشر الرسائل وتنظيم الاحتجاجات. وشارك عدد كبير منهم أيضاً في حملات دعماً للتظاهرات التي جرت بعد الانتخابات الإيرانية عام 2009. الانتفاضة التونسية التي أطلقت ما بات يُعرَف بـ"الربيع العربي"، بدأت أيضاً عبر الإنترنت مع إقدام ناشطين كثر وبينهم أميركيون، على نشر رسالة محمد البو، عزيزي وسيدي بوزيد. أبدى الأميركيون دعماً شديداً للتحرّكات العربية في تعليقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وتابعوها باهتمام بالغ مع انتقالها من بلد إلى آخر.

ليس مفاجئاً أن ينزل الأميركيون إلى الشوارع مطالبين بـ"احتلال وول ستريت". إنها معركة بين المواطنين العاديين من جهة وشركات وول ستريت وعلاقتها الحميمة بالحكومة الأميركية من جهة ثانية. ما يخيّب الآمال هو أن وسائل الإعلام الأساسية تجاهلت حركة الاحتجاج في البداية وتأخّرت في إيلائها الاهتمام اللازم. هل كانت تعلّل النفس بأنه مجرد حلم وسوف يختفي بلمح البصر تماماً كما ظهر بسرعة؟ ربما، لكن الحركة استمرّت وهي تنتشر وتتمدّد في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، مع انضمام مدن جديدة إليها يومياً، فيما يطالب مزيد من المنظمات والأصوات بالمساواة لجميع الأميركيين.

قد يتبيّن أن هذا التحرّك اللاعنفي الذي يشبه كثيراً تجمّعاً للهيبيين تارةً أو حشداً لليوغيين طوراً، هو ما تحتاج إليه أميركا بالضبط في الوقت الراهن.
يتساءل الجمهوريون عن الدوافع الحقيقية الى التحرّك، ويعتبرون أنه غير منظّم وليست لديه أجندة واضحة. أما الديموقراطيون فيحاولون احتضانه، خصوصا أن الرئيس باراك أوباما تعاطف الأسبوع الماضي مع المشاركين في الاحتجاج واعتبر أنّ غضبهم مشروع.

تهدف حركة "احتلوا وول ستريت" إلى لفت الانتباه إلى أوجه اللامساواة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعانيها الولايات المتحدة في هذه المرحلة من التاريخ. من المؤكّد أن الحركة ليست حزباً سياسياً، فقد ولدت بطريقة عفوية وليست لها قيادة واضحة أو بيان حزبي. ولكن إذا استمرّت على هذا المنوال، فقد يجد فيها بعض السياسيين الجدّيين منبراً ممتازاً لإطلاق مسار يقود إلى ديموقراطية حقيقية للجميع في أميركا.

هذا الأسبوع، سوف يصوّت مجلس الشيوخ الأميركي على قانون الوظائف الأميركي الذي اقترحه الرئيس أوباما من أجل مساعدة الاقتصاد. لنرَ ما إذا كان مشروع القانون سيقرّ، ومن سيدعمه ومن سيعطّل صدوره. وفي كلتا الحالتين، توقّعوا أن تضطلع حركة "احتلوا وول ستريت" بدور قبل التصويت وخلاله وبعده.

النهار

  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية
find us on facebook
find us on facebook
follow us on twitter

كلماته الدلالية:

أميركا, وول ستريت

قيّم هذا المقال

5.00