احبتي .. حبيت اقدم موضوع هو طويل ولكنه رائع ومفيد
ومجموع من عدة دراسات .. وساضع بالنهاية كافة مصادر الموضوع
واسماء الكتاب والدارسين..
ومرحب بزوار الموضوع اعضاء وضيوف كرام..
ومشكورين...
القدس في الشعر العربي
بعد إذ عرفنا من تاريخ القدس على وجه التفصيل، يجدر بنا وما أجدر، ان نفسح موضعاً لننظر نظرة تدبر وتذوق فيما فاضت به قرائح شعراء العرب من شعر قالوه فيها. ونحن بذاو آنا نستوعب الحقائق التي ظهرنا ليها من قبل إضافة إلى تمثلها في الشعر، وخاصة أن هذا الشعر يعد ولا ريب فناً قائماً بذاته في تاريخ الشعر العربي، والظن أنه لم ينل بعد أتلفته التي يستحقها ممن يؤخرون هذا الشعر، ولنجعل البدء بما أشير إليها في الشعر الجاهلي. فنجد أن الأعشى قال:
وقد للمال آفاقه
عمان، فحمص فأورى شلم
فمعنى أورى شلم هذا المعبد الإله سالم اليبوسي نسبة إلى اليبوسيين الذين حكموها.
أما استخدام التسمية (بيت المقدس) لها فقد اشار إليها امرؤ القيس في قوله:
فادركته يأخذن بالساق والنسا
كما شبرق الولدان ثوب المقدس
و(ثوب المقدس) هنا بمعنى ثوب الراهب الذي يقدم بيت المقدس [1].
ونحن من هذين المثلين ندرك ان عرب الجاهلية أطلقوا عليها بيت المقدس وإيلياء واسم ((أورى شلم)) وهو بفتح الشين وكسر اللام، وفصل ((أورى)) عن ((شلم))كما جاء في قول الأعشى، وثوب الراهب في شعر امرئ القيس دليل على أن الرهبان أي المسيحيين كانوا يقدمونها. وهاتان معلوماتان جديدتان نظهر عليهما من هذين البيتين.
والنقلة بعد ذلك إلى الشعر الإسلامي. او على التحديد في عصر بني امية فنجد أن الفرزدق يقول في قصيدة يتصدى فيها بالهجاء لجرير وقومه:
ومنا الذي لا ينطق الناس عنده
تراهم قعودا حوله وعيونهم
وبيتان: بيت الله نحن ولاته
ولكن هو المستأذن المتنصف
مكسرة ابصارها ما تصرف
وبيت بأعلى إيلياء مشرف
وندرك من ابيت الثالث ان الشاعر يقصد إلى الاعتزاز والفخر بقومه الذين هم يحافظون على بيت الله الحرام وبيت المقدس فكأنه يقرن في كلامه بين أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وهذا يرشد إلى أن لهذه المدينة قدسيتها بين قدسية غيرها مما يرفع من قدرها ومنزلتها بينهما.
وفي شعر قاله مروان بن الحكم يتجه فيه بالخطاب إلى الفرزدق وكان مروان عاملاً على المدينة لمعاوية قائلاً:
قل للفرزدق والسفاهة كاسمها
ودع المدينة إنها مرهوبة
إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس
واعمد لمكة أو لبيت المقدس
فلبيت المقدس ذكر إلى جانب مكة المكرمة، ويمضى بنا الكلام إلى عمر بن ابي ربيعة في بيتين له مشهورين:
أيها المنكح الثريا سهيلاً
هي غورية إذا ما استقلت
عمرك الله كيف يلتقيان
وسهيل إذا استقل يماني
وفي رواية أنها شامية ولن كلمة غورية: نسبة إلى غور الأردن بين بيت المقدس ودمشق فالإشارة إلى ما حول ما يقع على مقربة من بيت المقدس ويحدد الإشارة إليها.
وننتقل بعد ذلك إلى أبي العلاء المعري الذي يقول:
يا شاكي النوب انهض طالباً حلباً
واخلع حذاك إذا حاذيتها ورعا
نهوض مضنى لحسم الداء ملتمس
كفعل موسى كليم الله في القدس
وهنا نقف على قدسية بيت المقدس وقال:
وبعين سلوان التي في قدسها
طعم يوهم أنه من زمزم
وعين سلوان التي يذكرها أبو العلاء بالقرب من القدس، إنه يتحدث عن وطنه فيحدده ويشير إليه مع معالمه من بعيد ومن معامله أو حدوده ((عين سلوان)) وهي قريبة من القدس والشاعر وإن لم يذكر القدس تحديداً إلا أنه يشير إلى ما يقرب منها ونحن نعلم أن الله جل من قائل بارك المسجد الأقصى وما حله، فلنا أن نقول إنه ألمح إلى القدس ومن التقاليد التي عرفت آنئذ التبرك والتشرف بزيارة القدس بعد أداء مناسك الحج وفي هذا يقول أبو نؤاس في عصره العباسي:
وأصبحن قد فوزن من نهر غطرس
وهن من البيت المقدس زور
ويقول المعلى بن ظريف، مولى المهدي:
يا صباح إني قد حججت
وزرت بيت المقدس
فهذه الابيات السالف ذكرها ترشد إلى قدسية هذه المدينة في نفوس شعراء العرب على مدى طويل وفيها إيقان بأن عادة جرت بأن الحاج كان يؤم بيت على أن هذا تتمة لزيارة بيت الله وفي هذا ما فيه من تقديس لهذه الزيارة يتلو في مرتبته تقدسي بيت الله.
وبعد أن غلب الفرنجة عليها فيقول ابن المظفر الأبيوردي:
وكيف تنام العين ملء جفونها
وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم
أرى أمتي لا يشعرون إلى العدا
على هفوات أيقظت كل نائم؟
ظهور المذاكي أو بطون القشاعم
رماحهم والدين وأهي الدعائم
إن هذا الشاعر يستنكر من نجند المسلمين أن يولوا الادبار أمام جند الفرنجة ويريد ليوقظ هممهم ويلهب حماستهم ويرغبهم في أن يجاهدوا أعداء دينهم ولا تنقضي حسرة منه لا جزع على الاحتلال الصليبيين للقدس. وهو بهذا من كلامه إنما يعبر عن شعور مسلم بتلك النكبة التي فجعت المسلمين في القدس مدينتهم العربية المقدسة[2].
ومدح أكثر من شاعر عربي صلاح الدين الأيوبي وزف إليه التهنئة في انتصاره على الصليبيين حين حرر القدس. كما أن الشعراء قالوا وأطالوا في عهد المماليك لوصف لصراع حولها التي انتهت بعودة القدس إلى العرب ومن هؤلاء ابن المجاور، وابن مطروح، وابن النبيه، وابن سناء الملك، وابهاء زهير، والشهاب الحلبي، والعماد الأصبهاني وغيرهم. وحسبنا تلك الإشارة التي تغني عن العبارة وتؤيد عروبة القدس بما لا يحتمل شكاً ولا تأويلاً ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.
وإذا نظرنا في كتاب ((الروضتين أخبار الدولتين)) للشافعي المقدسي[3]، وقد ألفيناه يورد ما قال الشعراء في زف التهاني إلى صلاح الدين بع د ان فتح الله القدس عليه في حروبه مع الصليبيين. وقال العماد في قصيدة أنفذها إلى الخليفة الناصر يقول فيها:
أحيا الهدى وأمات اشرك صارمه
بفتحة القدس للإسلام قد فتحت
ففي موافقة البيت المقدس
والصخر والحجر الملثوم جانبه
نفي من القدس صلبنا كما- نفيت
لقد تجلى الهدى والشرك منجاب
في قمع طاغية الإشراك أبواب
للبيت الحرام لنا تيه وأعجاب
كلاهما لاعتمار الخلق محراب
من بيت مكة أزلام وأنصاب
فبعدما اتجه بالخطاب إلى صلاح الدين مهنئاً بالفتح الذي جعلت له الشهرة في أرجاء الارض وقال إن نصره يطول فيه الكلام، ثم إنه يعبر عن فرحة المسلم بهذا الفتح لأن هذا له وقع في عقيدته الدينية وما ذاك إلا لأن فيه إحياء للهدى فتجلى اما الشر فمات ولم تقم له من بعد قائمة. وهذا لا شك مما تقر به نفس كل مؤمن كما أن للمسلم أن يزهو بذلك الفتح، ثم يشير إلى الحجر الأسود وقبة الصخرة ليقرن بينهما على أنهما محراب، كما يعد تصور مكة المشرفة والقدس الشريف في تشبيه وجه الشبه فيه أنه محي الصلبان من القدس كما محيت من قبل الأزلام والأنصاب من بيت الله العتيق هذا الكلام هو ما يعبر به مسلم عن فتح القدس.
وقالا حكيم أبو الفضل عبد المنعم بن عمر بن حسان الأندلسي الجلياني:
أبا المظفر أنت المجتبى لهدى
فلو رآك وقد حزت العلى عمر
ولو رآك وأهل القدس في وله
أخرى الزمان على حبر بخبرته
في قلة التل قضى كنه كبرته
أبو عبيدة فدى من مسرته
إلى أن نجده بعد هذا التمهيد يقول:
يا فاتح المسجد الأقصى على بهم
أبشر بملك كظهر الشمس مطلع
حتى يكون لهذا الدين ملحمة
وقانص الجيش لا يحص بقفزته
على البسيطة فتاح بنشره
تحكي النبوة في أيام فترته
إن هذا الشاعر بعد أن يمدح صلاح الدين فاتحاً مظفراً يؤده الله بنصره ويعيد مجد الإسلام على عهد النبوة وبفضل رجالاته البواسل يستبشر بالفتح لأنه كان نصراً مؤزراً للإسلام والمسلمين.
وللشريف النسابة المصري محمد بن اسعد بن علي بن عمر الحلبي المعروف بالجواني نقيب الاشراف بالديار المصرية قصيدة يقول فيها:
أترى منا ما ما بعيني ابصر
ومليكهم في لقيد مصفود ولم
قد جاء نصر اله والفتح الذي
فتح الشآم وطهر القدس الذي
من كان هذا فتحه لمحمد
يا يوسف الصديق أنت لفتحها
ولأنت عثمان الشريعة بعده
ملك غدا الإسلام من عجب به
القدس يفتح والفرنجة تكسر
وعد الرسول فسبحوا واستغفروا
وعد الرسول فحسبوا واستغفروا
هو في القيامة للأنام المحشر
ماذا يقال له وماذا يذكر
فاروقها عمر الإمام الأطهر
ولأنت في نصر النبوة حيدر
يختال والدنيا به تتبختر
إن الشاعر يشير إلى أن المحشر في يوم القيامة في مدينة القدس كما ذكرنا من قبل في رأي بعضهم، ثم تبلغ به البهجة مداها ليقول إن فتح القدس اشبه ما يكون برؤيا في منام ويزيده بهجة على بهجة أن المسلمين ينتصرون والفرنجة ينهزمون، كما ان الملك الفرنجة يقع في الاسر وهذا عندهم لم يخطر لهم ببال، ثم يقول للمسلمين أجمعين إن هذا نصر الله افتح وعليهم أن يسبحوا ويستغفروا ثم يقو إنه لا يجد كلاماً يمدحه به لفتحه القدس وذلك لعظم ما أنجز لأهل الدين القويم، ثم يشبه بعمر الذي فتحها من قبل إلا أنه يسميه يوسف الصديق وهو يوسف صلاح الدين مبالغة في مدحه، كما انه يشبهه بعثمان وعلى المبالغة عنصر من عناصر شعر المديح، إلى ان يقول إنه ذلك الملك الذي يفخر به الإسلام وكذا الدنيا بأسرها.
( يتبع)