|
|
#1 |
|
«©»عاشق فضي«©»
تاريخ الانضمام: Feb 2004
محل السكن: لبـــ(ن)ــــنا بلا حكــومة
المشاركات: 6,548
|
*-* مــراهــق الشيخــوخة...(تولستوي)...*-*
استمتعت وانا أتابع سلسلة حلقات ..سيرة الروائي العالمي تولتسوي ..عميد الادب الروسي ان صح لي وصفه ..الرجل الذي كتب عذابات الفلاحين .. وترجم معاناة الشباب والمراهقين رغم تقدم سنه .. هذه الحلقات أوردها الكاتب / نجم عبد الكريم و نقلتها ايلاف ، وبدوري لأهميتها وثراء ما تحمله من قيمة ادبية و انسانية انقلها للاستفادة ..
الحلقة الاولى : في الثــانية واثمــانين يهــرب مــن زوجتـة : حين بلغ الثمانين من عمره، شيخاً وقوراً، تضرب شهرته آفاق الدنيا كأعظم روائي أنجبته الأرض الروسية الخصبة بالعبقريات، الولاّدة للكفاءات في كل مناحي النشاط البشري. كان رغم سنه المتقدّمة ممثلاً لكل طموحات الشباب، بل والمراهقين، فعندما سأله أحد تلاميذه من الشباب عن سرّ تعايشه مع قضاياهم وهو في الثمانين، قال له: «ليس في الأمر سرّ يا بني. فمنذ صباي الباكر أكره العنف وأدعو إلى السلام. العنف يسرع بكل شيء إلى التعفن والفساد! مع العنف يصبح الشباب في حالة من الشيخوخة المروعة! ولكن مع السلام تزدهر ورود الخريف في قلوب كبار السن بنفوس نضرة! وتغدو كالربيع في القلوب! ولذلك أدعوكم أيها الشباب إلى نبذ العنف وكراهيته! حاربوا دعاة الحرب حتى يغدو العالم كله شباباً ولو بلغ أهله الثمانين مثلي هكذا!». وبمناسبة بلوغ تولستوي الثمانين جاءته إلى قريته بعثة سينمائية لتنتج فيلماً قصيراً عن حياته. فقال لابنته: «أحسنوا ضيافتهم في (إيزيانا/ بوليانا)- وهذا هو اسم مزرعته وفيها قصره- ثم أوصاها: «بحق السماء اذكروا لهم بوضوح أنني لا أريد أن أدخل في حوار حول حياتي الماضية وتفاصيل ظروف كتابة رواياتي!». فتقول له ابنته: لماذا يا أبتِ؟!. إن روسيا كلها تنتظر كلماتك في أكثر من موضوع يشغل بال الناس! عن رأيك في الدين؟! في التقاليد القديمة؟! في حال الفلاحين والحرفيين والعمال؟! في مشروعك الذي وضعت بعض بنوده موضع التنفيذ! وتنازلت لفلاحي أرضك عن حقوقك؟! فيجيبها بمرح: إنك تماماً كأمك العزيزة! تسمّين تنازلي عن أرضي لمن يزرعونها، تنازلاً عن حقوقي! ليست لي على الأرض حقوق يا ساشا! لا على الأرض! ولا على الفلاحين الذين يزرعونها! وليس هذا اعتناقاً لآراء من يسمونهم سراً البلشفيك! كلا. فهؤلاء يؤمنون بالعنف، وأنا أكره العنف! إنهم يشكّكون في وجود الله! وأنا أومن به إيماناً لا يتزعزع..! فتفاجئه ابنته بالقول: إن أسقف منطقة (تولا) جاء مع بعثة السينما ليكذّب من يقولون إنك تحارب الأرثوذكسية! فيعلّق ساخراً: «هذا الأسقف، لديه رغبة كريمة في حماية الكنيسة الأرثوذكسية، ولكنه يحرّف عن غير قصد بعض كلماتي وأقوالي!». فتقول له ساشا بحماسة: إذاً فقُلها لرجال السينما! ستكون كلماتك هي التصحيح النهائي لأفكارك الدينية! فيضع يده على كتف ابنته ويسيران معاً لبضع خطوات في حديقة القصر، مواصلاً معها الحوار: «لماذا تسمينها أفكاراً يا ابنتي؟! إنها عقيدة ثابتة، هداني الله إليها منذ مرضت وأنا في الخامسة والأربعين، فصرت قريباً جداً من خالقي، إن الله الذي أحبه، وأعبده، وأتقيه يا ساشا هو ليس الله الذي تصوّره الأفكار الجامدة، والثوابت القديمة! وحين أسبغ الله عليّ ثوب الصحة، أبيت أن أحيد عن طريقه بالاستماع إلى تعاليم الأساقفة وما يصوّرونه عن الله في مخيلتهم، والذي جعلوا منه محقّقاً لمصالحهم! لقد عرفت ربي، ولا أريد أن أناقش أحداً في كيف عرفته؟! أعتقد أنه سبحانه لا يريد أن يناقش الناس وجوده بالأساطير، والخرافات.. إنه هو الدليل على وجوده..». ورفض أن يقابل رجال بعثة السينما، لكنهم صوّروه خلسةً وهو في الحديقة، ومن المحزن أن يضيع ذلك الفيلم مع ما ضاع حين اقتحم البلشفيك في ثورتهم دار المحفوظات القيصرية، إلا أن ابنته تاتيانا في كتابها الرائع عن أبيها، زيّنته ببعض مناظر ذلك الفيلم التي صُوِّرَت خلسةً أثناء حديثه مع أختها ساشا خلال زيارة البعثة. ومن أجمل فصول كتاب تاتيانا عن أبيها، هو تصوير ذلك الحب العنيف والصادق الذي دخل حياته واستقر في قلبه ووجدانه لوالدتها صوفيا، وهو لا يزال من أروع وأمتع قصص الحب الصادق، رغم فراره منها وهو في الثانية والثمانين من عمره! تُرى لماذا فعل تولستوي ما فعل؟! لماذا خرج من قصره الأنيق في مزرعة إيزيانا/ بوليانا في صقيع الشتاء.. هارباً من ذلك الحب؟! تجسس الزوجة: ليلة الثامن والعشرين من أكتوبر عام (1910)، وفي الساعة الثالثة قبل بزوغ الفجر، استيقظ تولستوي من نومه، على حركة غامضة في غرفة مكتبه الملحقة بالمخدع. ومن وراء بابها، كانت تأتيه أصوات أشبه بتقليب أوراق، وفتح أدراج وإغلاقها بحرص! كتب في صباح ذلك اليوم في دفتر مذكّراته: «كانت تفتش في أوراقي! لماذا يا صوفيا؟! لماذا؟ أيلزم أن تعرفي كل خلجات قلبي؟! وكل خطرات فكري؟! إننا كثيراً ما كنا نتناقش، نختلف في أشياء، ونتفق في أشياء أخرى، ولكن حبك في قلبي لا يزال مزدهراً، كما رأيتك لأول مرة، وأنت في السابعة عشرة! أعرف أنك تحبينني، وأنني أغلى وأثمن شيء في حياتك! لماذا إذن تصرين على التجسس، وتقرئين كل ورقة في مكتبي؟! ويضيف: أغرب ما في حبيبتي صوفيا أنها بعد أن انتهت من تفتيش أدراج مكتبي، كانت تتسلّل على أطراف أصابعها، خشية أن توقظني! ثم تفتح برفقٍ الباب المؤدي إلى مخدعي، وأنا أصطنع النوم، لتقول لي بهمسٍ: «هل أنت مستيقظ يا ليو؟! أتريد شيئاً يا عزيزي؟!» ولم أرد عليها حتى لا أحرجها بعلمي بفعلتها. وبعد خروجها اتجهتُ إلى مكتبي لأفحص دفتر مذكراتي اليومية الذي وضعته في درج خاص لا تملك صوفيا مفاتيحه، رغم أنها لا تنتقل إلى أي مكان إلا وفي حزام وسطها سلسلة مفاتيح كل الدار، بل حتى مفاتيح المخازن، أبت أن تسلمها لرئيس الخدم، وحين لُمتها على ذلك•• قالت: «كانوا يسرقونك.. والباب المفتوح يغري بسرقة ما فيه! ومنذ أربعين سنة والمفاتيح لا تفارق حزامها أبداً..». ثم أخذ تولستوي يقلّب كراسة يومياته التي لم يطلع عليها أحد إلا بعد وفاته، وتوقّف عند تاريخ الثامن من يناير (1869) يوم أخبره الناشر أن رائعته (الحرب والسلام) قد تُرجمت إلى الإيطالية، وأنه يستعد للطبعة رقم (35) باللغة الروسية، ويومها كتب في دفتر تلك اليوميات: «شيئان هما إكسير حياتي! حبي التعبير عن أفكاري بالكتابة الروائية، وحبي زوجتي الحبيبة صوفيا أندريفنا! ماذا يريد المرء من حياته أكثر من ذلك؟! لقد سعدت بحبي لصوفيا! وسعدت بأبنائي، وسعدت بهذه المزرعة الكبيرة، والشهرة، والثراء، والصحة، والسلامة البدنية والعقلية، ولكنني أحس بأن حياتي قد توقّفت فجأة! لم تعد لدي رغبة في شيء. والحقيقة أن الرجل العاقل، يجب ألا يرغب في شيء! إن الحياة نفسها وهم! وقد بلغت الحافة التي لا أجد بعدها إلا الموت! أجل. هذا صحيح. الحياة وهمٌ كبير! وهأنذا المحسود على الثراء، وعلى السعادة والشهرة. وعلى حبي لزوجتي! بتُّ أشعر بأنه لم يعد من حقي أن أعيش أكثر مما عشت!». منذ ذلك اليوم، يوم الثامن من يناير عام (1869) لم يفارقه هذا الهاجس قط! هاجس أنه عاش أكثر مما يجب أن يعيش! وها هو في هذه الليلة، وبعد 41 عاماً مضت على ذلك الهاجس، يكتب في دفتر مذكراته: «النهاية باتت قريبة جداً! أشعر بأنني ذاهب للقاء ربي بعد أيام قليلة! ربما بعد ساعات! لقد عشت طويلاً جداً! أطول مما يجب! اثنان وثمانون عاماً، ومن المحزن أن أضطر إلى الفرار من حبي الوحيد! من صوفيا أندريفنا. أمّ أولادي وحبيبة قلبي. لم أعد أحتمل محاولاتها الدائبة للتجسس على كل خطرات فكري، وبات إحساسي بضرورة الفرار إلى المجهول، يتزايد إلى الحد الذي يدفعني إلى التنفيذ السريع لهذا القرار. في الغد سوف أرحل! أجل يجب أن أرحل. أعرف أن صوفيا ستتألم كثيراً! ولكنني أنا أتألم كذلك، وربما أكثر مما تتألم هي! ويجب ألا يعلم بمشروعي هذا إلا ابنتي ساشا، إنها لا تعارضني، لأنها الوحيدة التي تدرك ما وصل إليه حنقي من هذا القفص الذهبي الذي سجنتني فيه أمها المحبوبة إلى قلبي!». وعاد إلى فراشه محاولاً النوم، وفي الصباح كان يشارك صوفيا على مائدة الإفطار الفاكهة وشراباً من عصير بعض الأعشاب المهدئة لتقلّصات المعدة، فصاحت به بلهجة الآمرة الناهية: «إنك لم تشرب كل ما في القدح يا ليو؟! فأنت تشكو من المعدة منذ أيام، فلماذا لا تطيع أطباءك وتستمع إلى كلامي؟!». يتوقّف عن الطعام والشراب ناظراً إليها: «ياصوفي! يا عزيزتي! يا حبيبتي! أنا أدرى بحالتي من الأطباء، إنهم يقولون إن الداء في معدتي! وهذا كذب! الداءُ في هذا الضعف الذي أحالني حطاماً مهدماً، حتى بتُّ لا أقوى على إصلاح بابٍ قديم! لأن العلم الطبي في روسيا مازال متخلفاً، وكم دعوتُ إلى الانفتاح السريع على العلوم الطبية في كلٍ من ألمانيا وإنجلترا وفرنسا!». فتجيبه صوفيا وكأنها لم تسمع ملاحظته: «ما يستطيعه أي طبيب أجنبي يستطيعه الطبيب الروسي!». فيبتسم تولستوي ويقول لها: «كيف تكوني يا صوفيا بعد هذه السنوات بهذا المستوى من التفكير، مع أنك اعتنقت بعض آرائي التي يسميها من يكتبون عني آراء وطنية؟!». تردّ عليه: «أعتنق بعض آرائك، وليست كلها! وأنت تعلم يا ليو، أنني من أشد المؤمنين بتعاليمك! إلا ما يتعلّق بالتنازل عن أملاكنا للفلاحين!». فاستثارت ملاحظتها هذه حفيظته، طالباً منها عدم مناقشته في هذا الأمر، فترفض الصمت وتستمر قائلةً: «يجب أن نناقشه يا ليو تولستوي! لماذا تريد أن تدع أولادك للفقر؟!». فيخفف من لهجته وينظر إليها وعلى وجهه ابتسامة طافحة بالحب: «يا صوفي! يا حبيبتي! لقد ناقشنا هذا الأمر مع أولادنا، وما اتخذته من قرار لا رجوع فيه! وقال مواصلاً كأنه يخاطب نفسه: ولست أدري ماذا ستفعلون بعد أن أموت؟! فارتفع صوت صوفيا محتجةً: «لماذا تتكلّم عن الموت هذه الأيام يا ليو؟! أنت في صحة جيدة! ليس بك إلا هذه الاضطرابات المعدية!». فيقول لها: «كلا ياصوفيا! العلّة ليست في المعدة. إنها هنا! في القلب. لم يعد هذا العضو العجيب يدبّر أمور جسدي ببراعته القديمة!». فتواصل صياحها: «ما هذا الهراء يا ليو؟! قلبك سليم مائة في المائة! ولا تكثر الكلام عن الموت!». يتبع .
__________________
يــا شجــرة الخــوخ عنــد بــابي...اذا لــم أعــد يــومــا فاءن الربيــع قــادم |
|
|
|
|
|
#2 |
|
«©»عاشق فضي«©»
تاريخ الانضمام: Feb 2004
محل السكن: لبـــ(ن)ــــنا بلا حكــومة
المشاركات: 6,548
|
رسالة الوداع: وقضى بقية يومه على كرسيه في الحديقة، وكان يدّعي أنه بصدد كتابة روايةٍ جديدة، ولكنه في واقع الأمر كان يكتب مسودّة الرسالة التي سيتركها لزوجته الحبيبة قبل أن ينفذ قراره بمغادرة إيزيانا/ بوليانا. وحين عاد إلى مكتبه في المساء، جلس يخط الرسالة التي زعم أنها رواية جديدة. وكتب: «حبيبتي صوفيا. أعلم أنك ستتألمين كثيراً لرحيلي، وأنه ليحزنني ذلك أشد الحزن، ولكنني آمل من كل قلبي أن تدركي الأسباب التي تدفعني إلى ذلك الرحيل، ولم تكن أمامي وسيلة سواه لتلافي مأساةٍ قد تكون مفجعة! لقد غدا وضعي في هذا البيت غير محتمل يا صوفي! لم أعد قادراً على ممارسة الحياة اليومية في هذه الرفاهية التي تحيط بي، وبات الثراء يخنقني! وقد طال صبري على هذا! حتى انقطع رجائي في مزيد من الصبر. يقيني شر اليأس من عالمٍ تشهيّته كثيراً، كما يتشهاه كل عجوزٍ بلغ السن التي بلغت! وما أنشده هو عالمٌ من السكون والوحدة، لا يفسده ضجيج المال، وأنانية الثراء، ووحشية الرغبة في التملّك! أريد أن أقضي الأيام المتبقية لي من العمر في سلام»• كان يرمي من وراء رسالته أن يقول لزوجته صوفي: كيف بلغ من ولعها بإدارة شؤون المزرعة، لدرجة أنها صارت تقضي يومها كله وجزءاً من ليلها، في تفقد شؤونها، ومناقشة الفلاحين، ومحاسبة تجار الغلال، والإشراف على مخازن المحصولات، ومراقبة الخدم، حتى صار منظرها وهي تسير متنقّلة بين أرجاء المزرعة والقصر، وسلسلة مفاتيح كل الأبواب معلّقة وسط حزامها، كأنها أشبه بمنظر سجانات العصور الوسطى! ولكن رغم كل هذا، فقد كان يحبها حباً صادقاً وحقيقياً، ومما كتبه أيضاً: «أرجوك يا صوفيا، لا تحاولي البحث عن مكاني الذي سأذهب إليه، من أجل إعادتي إلى إيزيانا/ بوليانا، فإن هذا لن يفيد أحداً شيئاً، بل سيزيد تعاستنا جميعاً، كما أنه لن يغيّر من عزمي على الرحيل، وإني لأشكرك كل الشكر على الثمانية والأربعين عاماً من الحياة الأمينة الكريمة التي أسعدِتني بها! وأتوسل إليك أن تغفري لي كل ما ارتكبت من أخطاء في حقك! مثلما أغفر لك عن طيب خاطر غضبك ومعارضاتك الشديدة المتعلّقة بقراري في التنازل عن أملاكي الشخصية للفلاحين! وأنصحك يا حبيبتي بإخلاص بأن تحاولي التعايش في سماحة مع الموقف الجديد الذي سينشأ برحيلي! وألا تحملي لي بسببه في قلبك أية ضغينة، أو كراهية، وإذا أردت أن تعرفي شيئاً عن أنبائي بعد أن أستقرّ في المكان الذي سأرحل إليه، والذي لا أعرفه إلا بعد أن أصل إليه، فستجدين بغيتك عند ابنتنا العزيزة ساشا، فهي وحدها التي سأخصها بذكر مكان حياتي الجديدة، وقد وعدتني بألا تذكر لك أو لسواك مكاني». ووضع الرسالة مطويةً فوق مكتبه ليعطيها لساشا قبل رحيله، ثم ذهب إلى مخدعه، ونام نوماً متقطعاً، إلى أن حانت ساعة الرحيل لتبدأ محنة الكاتب العظيم ليو تولستوي! قال لطبيبه: «دكتور ماكوفتسكي لن نحمل معنا أشياء لا ضرورة لها». لكن طبيبه وصديقه يقول له: هل فكرت يا ليو جيداً في العواقب المترتبة على هذه الرحلة؟! أعني صحتك! أنت لم تعد ذلك الرجل الذي كان يقضي الساعات في قطع الأخشاب في الغابة؟! وإنك معرّض لنوبات قلبية قد تصل إلى حد الخطورة؟! بعد أن استمع تولستوي لصديقه وطبيبه قال وكأنه لم يسمع جديداً: حسناً، لنستعد في غضون نصف ساعة! ساشا أعدت كل شيء، وسوف أرتدي ثيابي ونرحل• في هدوء. اقترب من غرفة ابنته، التي كانت في انتظاره وكان واضحاً، أنها لم تنم ليلتها تلك حيث بدت إمارات الإرهاق على ملامحها• وما أن اقترب منها حتى بادرته بالقول: «أبتي.. ألا زلت مصراً على ضرورة ما أنت مقدمٌ عليه؟!». ساشا. لن نناقش هذا من جديد، يجب أن نسرع قبل أن تشعر أمك بما يحدث، تعالي ساعديني في حزم الأمتعة. يتبع .
__________________
يــا شجــرة الخــوخ عنــد بــابي...اذا لــم أعــد يــومــا فاءن الربيــع قــادم |
|
|
|
|
|
#3 |
|
«©»عاشق فضي«©»
تاريخ الانضمام: Feb 2004
محل السكن: لبـــ(ن)ــــنا بلا حكــومة
المشاركات: 6,548
|
تولستوي / الحلقة الثانية وتمّ كل شيء، لرحيل الكاتب الكبير.. ابن الثانية والثمانين، الفنان، الإنسان، الذي يفرّ وهو في أيامه الأخيرة! يفرُّ من الثراء، والرفاهية، والرقابة المفرطة من الزوجة المحبة.. يفرّ إلى المجهول..! إنها أعجب مغامرةٍ (طائشة) في تاريخ الأدب العالمي. قبل أن تتحرّك العربة قال تولستوي بانفعالٍ شديد لابنته: «ساشا، لا تنسي، احتفظي بكل أوراقي، مسودات رواياتي، يومياتي، أوراق روايتي التي بدأتها منذ أسبوعين ولم أتمّ منها إلا الفصل الأول، إذ سأكتبها فيما بعد». فتجيبه باكيةً: «اطمئن يا أبت..أرجوك.. لا تترك نفسك لهذا الانفعال المثير.. إنه ضار بصحتك..». فيحتضنها معانقاً إياها ويقول: «اطمئني يا ساشا، سنلتقي في أقـرب ممـا تتصورين!». انطلقت العربة.. نحو المجهول.. كانت ساشا تظن أن أباها يعرف وجهته، ولكن الكاتب الكبير شُغل عن هذا برغبته الجامحة في الانطلاق بعيداً قدر الاستطاعة عن إيزيانا/ بوليانا.. وعن صوفيا. وبزغ أول نور للفجر وهم يسيرون في الطريق الوحيد الخارج من المزرعة إلى الجنوب، وبينما كانت العربة تسير بهم، توجّه الدكتور بسؤال تولستوي: - إلى أين نتجه؟! - إلى أبعد مكان عن إيزيانا/ بوليانا! وعن صوفيا. - هل تعني أنك لم تحدّد وجهتك؟! أهذا معقول؟! أي خطة هرب هذه يا ليو؟ - لنتجه إلى محطة قطار شيتشكينو. بعد أن فكّر في عدم الاتجاه ناحية الجنوب، ابتعاداً عن منطقة (شاماردينو) حيث تقيم أخته ماريا، فيسهل على صوفي اللحاق به هناك، لكن مدير المحطة أخبره بأن عليه أن ينتظر لأكثر من ساعتين إذا كان سيأخذ القطار المتجه إلى الشمال، فانتابه الرعب وقال: ساعتين؟! هذا يزيد فرص صوفي في العثور علينا! وعندما اقترح عليه الدكتور أن يقضي الوقت في مكتب مدير المحطة.. قال تولستوي: كلا.. كلا.. سيعرف من أنا على الفور، وقد يداخله الشك، فيتصل بصوفيا، فنفاجأ بها أمامنا قبل وصول القطار، يستحسن أن نبقى هنا.! لكن الدكتورينصحه بعدم الوقوف في الريح المثلجة، لأن صحته لن تحتمل هذا الجو القارس. فيجيبه: سأحتمل كل شيء.. كل شيء. وفي القطار جلس الكاتب الكبير مع صديقه الدكتور ماكوفيتسكي في مقعدين في الدرجة الثانية، ورغم محاولته إخفاء وجهه بالياقة العريضة لمعطف الفراء السميك، فقد أخذ بعض الركاب يتفرسون فيه كأنما يريدون أن يعرفوا حقيقة هذا الشيخ الهرم الذي يشبه كاتبهم الكبير المحبوب ليو تولستوي. ودرءاً لمخاوفه من اكتشاف شخصيته يطلب من صديقه الدكتور أن ينتقل إلى عربات الدرجة الثالثة، لكن ماكوفتسكي يبدي عدم موافقته على الفكرة، فالجو قارس، ونوافذ الزجاج في الدرجة الثالثة محطّمة، وإنه يخشى عليه من تتسلل الريح إلى جسده عبر النوافذ المفتوحة! إلا أن تولستوي العنيد يصرّ على رأيه.. فذلك أفضل من أن يعرفه أحد من ركاب الدرجة الثانية ويفتضح أمره.. فتعرف صوفيا وجهته..! وما هو إلا وقت قليل، حتى وقع ما كان يخشاه! فكل ركاب عربة الدرجة الثالثة تعرفوا على كاتب روسيا الأشهر، الرجل الذي عبّر عن أحلام الفقراء وآمالهم في معظم أعماله الروائية، فمَن لم يقرأها منهم سمعوا بها أو استمعوا إلى فصول منها من الرواة والأدباء الشعبيين في المقاهي أو في عربات القطارات، التي تسري في كل أنحاء روسيا الشاسعة كما تسري الشرايين والأوردة في الجسم البشري، فالقطار كان بطلاً في الكثير من الأعمال الأدبية الروسية. تحلّقوا حول كاتبهم المحبوب، وهتفوا له، وأخذوا يتسابقون في إهدائه ما حملوه من أطعمة، وحاول الدكتور ماكوفيتسكي إقناعهم بإعطاء الأديب فرصةً للراحة، لكنهم لم يستجيبوا لرجائه، فابتعدوا مسافة نصف متر عن مقعد محبوبهم الكبير، ثم شرعوا يمطرونه بأسئلتهم عن أفكاره، وآرائه، وأخذت الأسئلة تتلاحق. كيف يمكن تطبيق مذهب اللاعنف وحكومة القيصر تصرّ على الحرب في الشرق الأقصى؟! أهناك أمل أن يساهم كبار الملاك في إنشاء بعض المدارس الابتدائية لأولادنا في مزارعهم وقراهم؟! لقد قبضوا على زوجي، وألقوا به في السجن بعد أن جلدوه لأنه لم يستطع تقديم إيصال دفع ضريبة العام الماضي؟! أتوسل إليك أن تكتب طالباً الإفراج عنه.. أيها الأب الكبير الرحيم إننا نحبك، ونقدّرك، ولكننا على ثقة بأنه لا فائدة من كل ما تقول وتكتب، مع وجود النظام القيصري القهري، ولأننا نحبك ولا نريد أن نفسد حياتك بمشكلاتنا، لا نرى لك إلا أن تعتزل هذه الحياة الفاسدة في أحد الأديرة.. أليس هذا هو السلام الذي تنشده؟! كانت ابتسامته الوديعة هي الإجابة عن كل تساؤلاتهم، إلا أن ملامحه بدت مرهقة! ست ساعات من الصخب وهو يستمع إلى هذه الآراء الثائرة المتناقضة، والحوارات الجانبية الغاضبة والساخطة أحياناً، حتى أوشك أن يغمى عليه من رائحة الدخان، فهمس الدكتور ماكوفيتسكي في أذنه: في المحطة المقبلة سننتقل إلى الدرجة الثانية مرة أخرى..! فالتفت إليه باسماً: المهم أن نبتعد عن صوفيا! أجل هذا هو المهم! ليس هناك يا سيرجي ماكوفيتسكي ما هو أغلى من الحرية..! وبلغ القطار قرية (كوزيلسك)، فقال له الدكتور: هذه آخر محطة للقطار يا ليـو.. سنضطر إلى البقاء فيها إحدى عشرة ساعة في انتظار القطار السريع.. فيصيح تولستوي: كلا.. كلا.. كلا.. لن أقيم في كوزيلسك كل هذه الساعات، ففيها مزرعة كبيرة لصديقي تورجنيف، وستعرف صوفيا على الفور مكاني! ثم يسأل عن المحطة التالية، فيعلم أنها أوبتيينا، وفيها دير ونزل صغير يستقبل الزوار، فيقترح الدكتور أن يستريحا فيه ليومين أو ثلاثة! وبينما كان تولستوي مع صديقه الدكتور في غرفتهما الصغيرة في النزل الريفي الملحق بالدير، كتب في دفتر يومياته: ما أجمل الشعور بالأمان والاطمئنان! ماذا يريد المرء من دنياه أجمل من هذا؟! القوت الضروري، والأمان.. ما أسعدني! وتمدّد على الفراش لينام، وكان يدرك أن صوفيا أندريفنا ستفعل المستحيل كي تلحق به لتعيده إلى إيزيانا/ بوليانا.. وظل الهاجس يراوده بأن يفاجأ في أية لحظة يُطرق فيها باب الغرفة الصغيرة عليه ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام صوفيا! أبو الشعب: لا نكاد نرى في تاريخ الأدب العالمي فعلة غير محسوبة العواقب كتلك التي فعلها ليو تولستوي عبقري الرواية الطويلة، والذي عاش اثنين وثمانين سنة في الرفاهية والثراء، وفي ظل شهرة عريضة لم يحظ بها أحدٌ في تاريخ الأدب العالمي، غير قلة قليلة من الكتّاب والشعراء والأدباء.. لم تحرمه الحياة من شيء، وكانت كل مقومات الحياة السعيدة عند أطراف أصابعه، فإلى جانب الثراء كانت هناك الزوجة المحبة والأبناء العطوفون، والشهرة المدوية المصحوبة بحب كل من عاصره على أرض روسيا، حتى الذين هاجمهم في رواياته وانتقد سلوكهم، أحبوه وعبّروا عن احترامهم لـه، وحصل عن جدارة، على لقب (أبو الشعب)، وأبو الشعب ـ في ذلك الزمن على أرض روسيا ـ لم يكن غير القيصر نيقولا الثاني، الذي كتب إلى تولستوي تحت ضغط أدبي من زوجته الإمبراطورة ومن أبنائه، خاصة من ولي عهده المريض الأمير أليكسيس، كتب قائلاً: «يسعدني أن أهنئكم بعيد ميلادكم الثمانين، وآمل أن يساعدني الله على تحقيق الكثير من مشروعاتكم البنّاءة لخير الشعب الروسي الذي يعتبركم أباً (ثانياً) له..». تهنئة القيصر هذه تتضمن معاني كثيرة.. اعترافاً بمشروعات تولستوي التي اتخذها بشأن الأراضي الزراعية، وحق من يعمل فيها في شيء من خيراتها، وامتناناً لما ذكره تولستوي في روايته (الحرب والسلام) عن دور القيصر الكسندر الأول، جدّ القيصر نيقولا الثاني في تحقيق النصر على جيوش نابليون بونابرت، وتتضمن رسالة القيصر قبل كل هذا وذاك، على غيرة قاتلة من اللقب الذي منحه الشعب لكاتبه المفكر الجريء ليو تولستوي، فكلمة: (إنك الأب الثاني).. تحمل معنى ضمنياً، بأنني أنا الأب الأول للشعب الروسي. ويمرّ عامان على هذا التكريم العالمي للكاتب العظيم، ويبلغ العام الثاني والثمانين من عمره، وإذا به يسأم كل شيء، ويضيق ذرعاً بكل شيء، فقد سئم الشيخوخة وأمراضها، سئم الثراء العريض وتكاليفه، وسئم خرافات وثوابت الكنيسة التي يلح بها الأساقفة على الناس، وسئم التجسس اللصيق، وهذه الرقابة الخانقة على ساعات حياته، على أوراقه، وعلى أحاديثه مع أصدقائه وأنصاره.. تجسسٌ مشين.. وممن؟! من المرأة الوحيدة التي أحبته وأحبها منذ خطبها، من صوفيا أندريفنا زوجته التي لم يشرك سواها في قلبه على مدى أربعة وأربعين عاماً. يتبــع,.....
__________________
يــا شجــرة الخــوخ عنــد بــابي...اذا لــم أعــد يــومــا فاءن الربيــع قــادم |
|
|
|
|
|
#4 |
|
«©»عاشق فضي«©»
تاريخ الانضمام: Feb 2004
محل السكن: لبـــ(ن)ــــنا بلا حكــومة
المشاركات: 6,548
|
لقاء تولستوي بصوفيا: ولعل من المناسب قبل أن نواصل الرحلة مع تولستوي الذي فرّ من عالمه وهو في الثانية والثمانين من عمره، أن نعود نصف قرن إلى الوراء لنقف على الأحداث التي جمعته بصوفيا أندريفنا، تلك الشابة الجميلة العاطفية، وكيف وقعت في غرام ذلك الضابط الثري والكاتب المرموق (ليون تولستوي). الفرق بينهما 16 عاماً، هي في السابعة عشرة، لم تغادر قط منزل الأسرة ومزرعتها إلا لزيارة جدّها لأمها في مزرعته البعيدة، ولا تعرف شيئاً عن عالم الرجال. أما هو فصاحب تجارب ومغامرات! إذا نزل موسكو تهافتت عليه راقصات الباليه! فهو فوق قوته الهرقلية، وشبابه المتوثب، وشهرته كروائي، تعترف أوروبا كلها بتفوقه، نجده شديد السخاء مع من يهفو إليها قلبه! لأسبوع أو لأسبوعين، ثم يدخلها غابة النسيان في فكره ويتفرّغ لقلمه. كانت تانيا شقيقة صوفيا، تخشى عليها من هذا الحب العارم الذي لا تؤمَن عواقبه مع رجل مثل تولستوي، فهو لم يبح لها قط بما في قلبه! فتانيا ترى أن أختها غرّة وساذجة، وتولستوي هذا إلى جانب علاقاته الواسعة بالنساء، فإنه يكبر صوفيا بـ 16 عاماً، حتى أنه ليشاع أن أسرة القيصرة تتحبب إليه، وتدعوه إلى مزارعها الكثيرة، أملاً في أن يطلب يد إحدى الأميرات! وقد عبّرت تانيا عن رعبها من نظرات تولستوي لشقيقتها الكبرى المخطوبة لأحد ضباط الجيش، وتتساءل: «أهو يسعى إلى صوفيا الرقيقة التي قد لا تتردّد في قتل نفسها إذا ما فاتها الزواج به.. أم أنه يريد إقامة علاقة مع ليزا المتكبرة والمغرورة؟!». وتولستوي، لا يفصح عما يريد! أو لعله يقدّم رجلاً ويؤخر أخرى! أكان يفاضل بين ليزا و صوفيا.. أم بينهما وبين الأميرة أولجا بنت أخت القيصرة؟! ذات يوم ذهب تولستوي إلى دار أسرة صوفيا، واستُقبل بما اعتاده من أفراد الأسرة كلها بحفاوة وإشراق ـ باستثناء ليزا ـ التي تعمدّت تحيته ببرود، كأنما هي تختبر حقيقة مشاعره نحوها، ففاجأهم بما لم يتوقعوه بالقول: يسعدني لو تقبلوا دعوتي لزيارة مزرعتي إيزيانا/ بوليانا. فعبّرت صوفيا عن فرحها باندفاع: أحقاً يا كونت؟! لقد سمعت عن مزرعتك الكثير، وطالما تمنيت أن أراها! وقالت الأم: إنها أشهر المزارع القريبة من موسكو يا كونت تولستوي، ويقال إن الدار الكبيرة فيها أكثر من أربعين غرفة، ونشكرك على هذه الدعوة الكريمة، وسيكون من دواعي سعادتنا أن نقضي معك ومع السيدة الكريمة والدتك الكونتيسة (ليوبوفا) وقتاً ممتعاً. وفي الموعد المحدّد كان تولستوي في انتظارهم بالعربات التي ستقلّهم من محطة القطار إلى مزرعة إيزيانا/ بوليانا• وتكتب تانيا شقيقة صوفيا في دفتر مذكراتها: «كنا نحن البنات في مقدمة الركب! بينما كانت أمي في عربتها بين أبي وبين الكونت تولستوي! وبعد ساعات من المسيرة التي طوينا خلالها أكثر من 4600 هكتار من الأراضي الزراعية! أمضينا أياماً بين المزارع والحقول التي شهدت صبا تولستوي الباكر وشبابه، وأقمنا في داره الكبيرة التي كانت دائماً تمثّـل قيمة رائعة في فن العمارة، وقد سألت والدتي تولستوي عما إذا كان هناك من يشاركه هذه الأملاك الواسعة، فأجابها بأنه الوريث الوحيد، لكن أمه هي المتصرفة في كل شيء، وفي كل مناسبة كانت تطالبه بأن يرفع عنها هذا العبء لأنها تعبت في إدارتها، خاصةً بعد أن قام تولستوي بتمليك الفلاحين للأراضي فأصبحوا أحراراً، ومن أجمل ما قاله في إجابته على والدتي: «إن والدته كانت سعيدة بسعادة 350 أسرة تحرّرت من أبشع قيد على روح الإنسان.. قيد العبودية..». أما صوفيا فقد كان هيامها وغرامها بتولستوي قد سربلها حتى باتت لا ترى منه فكاكاً! السعادة الغامرة التي عاشتها في تلك الأيام! أيام زيارتها لمزارع تولستوي. ليو تولستوي! هذا الاسم الجميل! كانت تسرع الدموع إلى عينيها الجميلتين لمجرّد ذكر اسم الحبيب الذي أشرف بنفسه على راحة ضيوفه، وقد كتبت صوفيا هي الأخرى في يومياتها: «كانت الضيافة في قصر المزرعة في غاية الروعة.. وتيسر لنا القيام بزيارات لبساتينها اليانعة، فأكلنا من فواكهها التي جمعها لنا الكونت تولستوي بيديه في سلة كبيرة، كنت أرقب الكونت في كل حركاته، كان مثال القوة والنشاط والحيوية.. تحدوه رغبةٌ صادقة في إسعادنا بلا تكلّف.. في أثناء العودة.. سرتُ معه قليلاً، ولولا أن والدتي وليزا كانتا ترقبانني، لأمسكت بيده! لم يكن هناك من هو أسعد مني وأنا أرمقه وهو يساعد في إعداد فراش أختي تانيا بوضع مزيدٍ من المخدّات، وكم فكرت فيه قبل النوم، وحلمت به أثناء النوم، وفتحت عينيّ عليه بعد أن تيقظت..». يتبع ..
__________________
يــا شجــرة الخــوخ عنــد بــابي...اذا لــم أعــد يــومــا فاءن الربيــع قــادم |
|
|
|
|
|
#5 |
|
«©»عاشق فضي«©»
تاريخ الانضمام: Feb 2004
محل السكن: لبـــ(ن)ــــنا بلا حكــومة
المشاركات: 6,548
|
الحلقة الثالثة ..
عادت أسرة أندريفنا إلى مزرعتها، ولم يكن أحد يتوقّع أن يلحق بها الكونت ليو تولستوي بعد يومين اثنين فقط من زيارتهم له! وكتبت تانيا شقيقة صوفيا في مذكراتها: «أحسست بأن تولستوي لم يأت بهذه السرعة لزيارتنا إلا ليطلب الزواج بأختي (صوفيا) ولكنه لم يفعل، وأدركت بعد ساعات من الزيارة أنه يتحين الفرص ليخلو بها. يريد أن يخلو بصوفيا، وأن يصارحها بحبه، ويسألها عما تكنه ناحيته من عاطفة.! غريبٌ أمر تولستوي هذا. كيف لم يفهم مدى تعلّق وشغف صوفيا به، وهو الذي يعالج في رواياته أشد العلاقات الإنسانية تعقيداً، خاصةً بين الرجل والمرأة؟! حاولت جهدي أن أمكنها من لقاءٍ بعيد عن رقابة أمي وشقيقتي ليزا!» أما تولستوي نفسه، فقد كتب في يومياته عن تلك الليلة القدرية في حياته: «كنت أريد أن أعرف حقيقة عواطف صوفيا نحوي! إنها لا تفارقني بنظراتها! ولكن هذا لا يعني الكثير! فالفتيات في مثل سنها يتخبطن عادةً في دوامة الانفعالات إذا أحسسن باهتمام رجل بعينه! وهذه هي طبيعة المراهقة! يا إلهي! ما أكبر الفارق في العمر بيني وبينها! إذا رفضتني فلن يكون ذلك إلا بسبب فارق السن! ولو كان في المزرعة القريبة من مزرعة أسرة أندريفنا شباب قريب منها في السن لما شغلت نفسها بي! ثم، ماذا يدفع شابة جميلة رقيقة مثل صوفيا نحو رجلٍ أجمع الناس على بشاعة أنفه، وليس فيه أي شيء من سمات الوسامة؟! كان يجب أن أسألها وأعرف إجاباتها بوضوح وصراحة؟!». ونتابع الموضوع نفسه فيما كتبته تانيا في مذكراتها عن الأحداث في ذلك اليوم: «.. كنت قد ذهبت إلى غرفة الموسيقى في الطابق الثاني حتى أفسح المجال للكونت تولستوي ليخلو بصوفيا، ومن عجبي أنهما لم يختارا للقائهما غير غرفة الموسيقى! وما أن دخلا معاً، حتى اختبأتُ خلف البيانو بحيث لا يرياني، وتوقّعت أن يمسك بيدها أو يصارحها بمشاعره تجاهها! أن يكشف لها عن حقيقة عواطفه بأسلوبه الفني الذي اعتدناه منه في رواياته! ولكنه كان كالصبي المضطرب الذي يجلس لأول مرة في حياته مع صبيّة صغيرة! وقف أمام منضدةٍ كبيرة وسط القاعة وقال لها: «آنسة صوفيا! هل تستطيعين تكوين جملةٍ كاملة إذا كتبت لك الحروف الأول من كل كلماتها؟! فأجابته بمرح: لعبة الحروف؟! إنني أجيدها ياكونت، فأنا أتفوق على كل أفراد أسرتي في هذه اللعبة! وهاهو الورق والقلم أمامك.. واكتب ما بدا لك. ولكن ما هو الرهان؟! أجابها بصوتٍ مضطرب: «إن الرهان هو.. حياتي! وإليك حروف الكلمات»، فكتبها لها وقال: «أتعرفين يا صوفيا أنك إذا توصلت إلى معرفة الكلمات التي تبدأ بهذه الحروف.. اذكري أن حياتي هي الرهان». وتضيف تانيا في مذكراتها: «إن صوفيا كانت أبرعنا حقاً في هذه اللعبة، وبعد لحظات حلّت فيها لغز الحروف، قالت له بصوت مضطرب:»إن بدايات كل جملة من جمل الحروف التي كتبتها هي: (شبابك، وحقك في السعادة، يذكرانني بقسوة بفارق السن! سعادة كهذه.. هل تتحقّق لمثلي؟!). كان صوت صوفيا مخنوقاً بطوفان من الانفعالات العاطفية التي غمرتها! أمسكت بيده ولم تقل شيئاً. وأخذ هو بناصية الكلام، فقال لها: صوفيا.. إن أسرتك تخطئ في فهم السبب وراء زياراتي لكم، والدتك على وجه الخصوص تظن أنني أريد ليزا.. في استطاعتك أن تصححي لها ما يدور خطأً في فكرها..». أما صوفيا فقد دوّنت في مذكراتها: «أدركت أن تولستوي يحبني وحدي! كان قلبي يدق بعنف، وفقدت القدرة على التفرقة بين الحقيقة والوهم! كان شيء ما يصيح داخلي: «أيتها الغبية.. إنه يحبك أنتِ! أنتِ وحدك! أنت وحدك.. أنت ولا أحد سواك..!»، وأوشكتُ أن ألقي بنفسي بين ذراعيه، لكن أمي دخلت فجأةً إلى القاعة، وأمرتني بالذهاب إلى غرفتي على الفور فقد حانت ساعة النوم.. ولم أنم! وفي الصباح، صارحتُ أمي: «أماه.. أرجوك أن تستمعي إلي باهتمام! هناك من يظن أنني لست المقصودة بزيارات نيكولايفيتش تولستوي! أماه.. الحقيقة أنه لا يأتي إلا من أجلي! من أجلي أنا! إنه يريدني زوجةً له! ففاجأتني والدتي حينما قالت: صوفيا: لم أتوقّع أن أسمع منك هذا الهراء! أنت واهمة ياصغيرتي، إن تولستوي يرغب في أختك ليزا! وهذه رغبتي أيضاً، كما هي رغبة والدك!». وعندما أتى تولستوي لزيارة أسرة أندريفنا.. لم تحدثه صوفي عمّا دار بينها وبين أمها، وبينما كانوا جميعاً على مائدة الطعام.. دس خلسةً رسالةً في يدها، فأسرعت إلى غرفتها، مزّقت المظروف في عصبية مرتعدة وقرأت: «أخبريني بكل أمانة ويدك فوق قلبك! ودون عجلة.. أجل دون عجلة.. بحق السماء أخبريني يا صوفي! هل تقبلين أن تكوني زوجتي؟! إذا كنت تقبلين هذا من كل قلبك بأمانة ودون تردد، وبعد تفكيرٍ عميق، فقولي (نعم)، ولكن إذا داخلك أدنى شك في قدرتك على الحياة طول العمر مع شخص مثلي فقولي (لا)، فالموت أحب إليّ من الحياة مع إنسان أحبه كل هذا الحب الذي أحمله لك.. ولا يحبني..!». وفوجئ الجالسون على مائدة الطعام بصوفيا تقبل لاهثةً من غرفتها، وبيدها الرسالة ومظروفها.. يقف تولستوي للقائها.. يترامقان لحظة دون كلام.. فيقول تولستوي في بطءٍ وهدوء: صوفيا أندريفنا هل تقبلين أن تكوني زوجتي؟! نعم.. أم لا؟! وبصوتٍ متحشرج مضطرب، مغسول بدموعها ترد: نعم! نعم! نعم! هل سمعتم جميعاً؟! نعم، نعم، نعم. اثنان وأربعون عاماً من الحب الزوجي النادر بين عبقري الأدب الروسي ليو تولستوي وصوفيا أندريفنا.. لماذا الفرار؟! بعض مؤرّخي الأدب اجتهدوا في تفسير ما قام به تولستوي: أن تصرفه بالفرار من مزرعته، وهو العجوز ابن الثانية والثمانين، في ليلة قارسة، دون أن يكون قد حدد مكاناً لإقامته، لهو من بعض أعراض أمراض الشيخوخة وما يصطحبها من قرارات ارتجالية. هذا ما قاله من لا يحبون تولستوي! أما أنصاره وتلاميذه أمثال صديقه (تشيرتيكوف) فقد كتب يقول: «لقد تحمّل تولستوي الكثير من معارضات ومشاكسات زوجته صوفيا أندريفنا، ما لا يتحمّله القديسون! كانت سجّانته بكل ما في الكلمة من معنى! تريد أن تفرض عليه آراءها بشأن تنازله عن أملاكه للفلاحين! وبشأن علاقته بالقيصر! وبالإمبراطورة! كانت تحدّد له من يجب أن يقابل أو لا يقابل من أصدقائه وتلاميذه! بل كانت تريد أن تعرف أفكاره الروائية! وتطلب أن يكون لها حق إقرار ورفض ما لا يتناسب مع أفكارها! كانت تحبه.. أجل..! ولكن حب التملك.. لا حب التضحية! لا أوجّه اللوم لصديقي تولستوي على فراره منها! ولولا أنه شديد الإيمان بالله لقتل نفسه يأساً منها منذ زمنٍ بعيد!». وطلب تولستوي من رفيق رحلته الدكتور ماكوفيتسكي أن يستعد للرحيل من غرفة الدير! فيخبره الدكتور بأن نبضه غير مستقر، ولا يجوز أن يعرّض نفسه للإرهاق. فيقول له: إنني بخير! ليس بي إلا التعب من قلة النوم، فالقطط كانت تموء طوال الليل!. وفي الغرفة السفلية أيضاً امرأةٌ كانت تبكي وهي تناشد الله أن يغفر لها ما ارتكبت من خطايا! لقد ظننت أنني سأجد الهدوء هنا! لنغادر هذا الدير! لنغادره قبل أن تلحق بنا صوفيا! فيسأله طبيبه: إلى أين يا ليو؟!.. يجيبه: سنسافر إلى مقاطعة (شاماردينو)، وهناك سنستأجر بيتاً ريفياً صغيراً بحديقةٍ مزهرة! إنني أعرف سيدة سبق لها أن عرضت علي بيتها لأقيم فيه شهور الشتاء في أي يوم أقرره! وقد أخفيت ذلك العرض عن صوفيا، وفي عزمي أن أحقّقه في يومٍ ما! وقد جاء هذا اليوم المناسب يا سيرجي! هيا.. هيا! لنرحل إلى شاماردينو فهو المكان الوحيد الذي لن تبحث فيه عني صوفيا.. وما أن استقر، حتى كتب إلى ابنته الرسالة التالية: «عزيزتي ساشا، إن ما يحدث عندكم يلقي على كاهلي عبئاً ثقيلاً، ورغم هذا فإنني أثق بقدرتك، وقدرة أختك تانيا وأخيك سيرجي على تهدئة والدتكم! المهم هو أن تُفهموها، وتُقنعوها بأنني لم أفعل ما فعلت إلا بسبب إصرارها على التجسس عليّ، وعلى رغبتها العنيدة في السيطرة على حياتي، وتحريكي في كل أموري الحياتية والفكرية حسب نظرتها الخاصة! حاولوا أن تقنعوها أن بغضها غير المنطقي لصديقي وجاري العزيز تشيرتيكوف، كان يسوّد كل لحظات حياتي! فهو مع إخلاصه الشديد لي، وتفهمه الذكي لكل أفكاري ومشروعاتي، لا يكنّ لها إلا كل احترام وتقدير! اقنعوها بحق السماء بأنني أدرك الآن بوضوح أن الحب الذي تدّعي أنها تحمله لي، كذبةٌ كبيرةٌ، وخبثٌ خادعٌ، لم أعد قادراً على التسامح فيه لأن هدفه هو خنق حريتي! وقهر إرادتي! وإرغامي على التنازل عن أفكارٍ أؤمن بها!. بقوة إيماني بالخالق العظيم. إنها لا تفهم أن هذا الأسلوب في معاملتي سيؤدي بي في النهاية إلى الموت! كأنما هي تهدف إلى قتلي؟! حسناً أعتقد أنها ستنجح في الوصول إلى هذا الهدف قريباً! فقد أكد لي الدكتور ماكوفيتسكي أنني إذا كنت قد نجوت من النوبة القلبية الثانية، فلن أنجو من الثالثة التي تسعى أمكم جاهدة إلى أن أصاب بها في أسرع وقت تتخيله! حسناً لتأتي النوبة الثالثة لتخلصها مني! وتخلصني في الوقت نفسه من هذا الجو المأساوي المروّع الذي تحملته لسنوات طويلة، والذي لا أريد أبداً مهما حدث أن أعود إليه!». يتبــع,....
__________________
يــا شجــرة الخــوخ عنــد بــابي...اذا لــم أعــد يــومــا فاءن الربيــع قــادم |
|
|
|
![]() |
| Bookmarks |
| مستخدمين موجودين حالياً يشاهدون الموضوع: 1 (0 أعضاء و1 ضيوف) | |
| أدوات الموضوع | |
| أنماط العرض | |
|
|
دردشة عاشق لبنان البوم صور عاشق لبنان مركز الجوال بعاشق لبنان العاب فلاش فيديو كليب اغاني عاشق لبنان دليل لبنان السياحي المطبخ العالمي مجلة عاشق لبنان المنتدى العام النقاشات الجادة منتدى الترحيب منتدى الاهدائات منتدى الفنون منتدى الفانز فانز هيفاء وهبي فانز نانسي عجرم فانز اليسا فانز وائل كفوري منتدى ستار اكديمي منتدى سوبر ستار منتدى الصور الفنية منتدى كلمات الاغاني الشعر العربي الخواطر الادبي اللغات الاجنبية حواء جمال واناقة الصحة والاسرة الامومة والطفل منتدى لمسات المنتدى الرياضي كرة القدم منتدى المحركات الصور والافلام الرياضية منتدى ادم انمي قصص الاطفال حكايات ذكريات ومذكرات صورة وتعليق النكت والالغاز منتدى الالعاب برامج الانترنت الجرافيكس والتصميم الجوال والفضائيات المنتدى العلمي التاريخ والتراث العربي السياحه والسفر والرحلات منتدى التواصل مع عاشق لبنان صور الفنانات العرب صور الفنانين العـرب ابتسامات الماسنجر والمنتديات خلفيـات المشاهيـر و النجـوم خلفيات الإنمي خلفيات الكمبيوتر نجـوم البـرامج الواقعـية صور مضحكة وطريفة صـور أطفـال بطاقـات ورومانسيـات صور كرتون صور الرسم والصور الفنية صور القطط والحيوانات ثيمات الجوال صور سيارات صور الطبيعة و الورود فيديو كليب اغاني عربية فيديو كليب اغاني اجنبية فيديو كليب هيفاء وهبي فيديو كليب نانسي عجرم فيديو كليب اليسا فيديو كليب وائل كفوري فيديو كليب اطفال مقاطع مضحكة نجوى كرم كمل على روحي نور ومهند هيفاء وهبي ـ حاسة ما بينا في حاجة نانسي عجرم بتفكر في ايه