بقلم: الدكتور جاسم العراقي
المعيار الإنطباعي
الانطباعية أو التأثرية: تعني ان يقوم الناقد بوصف الانطباعات، والاحاسيس التي تتركها قراءة النص الادبي في مشاعره بدلاً من وصف وتفسير النص نفسه، ومن ثم الحكم عليه وفق قواعد قد يكون النص الادبي بعيداً كل البعد عنها، فلما كان فهم النص الادبي قائما على الحدس الى حد كبير، كان تحكيم الذوق في حكمنا على فن الابداع الشعري امراً ضروريا، فالشعر صور وليس نظريات، والصور بما فيها من جمال أو قبح يجب ان ترد الى الذوق لا العقل ليحكم فيها، فليست العبرة في الكلام الجزل المحكم الذي تعب فيه الفكر العقل، بل في مدى تقبل نفس الانسان لهذا الشعر او ذاك، ومدى ما يبعثه من الرائحة والغبطة في قلب قارئه، فالشعر الخالد هو الذي يلقي قبولاً لدى اكثر عدد من الناس. ولأن المسألة كثيراً ما تعود الى الذوق الشخصي، كان من الصعب قياس تلك القيمة الجمالية، ومدى عدولها وخروجها عن النمط الاصلي؛ لذا فالاحكام الصادرة بحق الشعر وفق هذا المعيار ليست قطعية وجازمة.
وينبغي الاشارة الى ان مجرد اصدار الحكم السريع القائم على الانطباع الشخصي غير المعلل، ليس نقداً بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة، بل ان هذا اللون يجر كلمة النقد الى معناها اللغوي الضيق. الا انه بالامكان ان نجعل للذوق حضوره الفعّال في قضية التمييز والكشف عن التجربة الادبيـة الجيدة والاخرى الرديئة، اذا قصـدنا بالذوق، القدرة على التقدير مع مصاحبته
للموهبة والممارسة، وعندئذ يكون للحكم النقدي الانطباعي قيمته الفنية المنشودة.
النقد الانطباعي او التأثري قديم قدم النقد نفسه، فيظهر عند افلاطون الذي يرى ان الشعر يغذي العاطفة ويرويها، ولدى ارسطو في مذهبه في التطهير، وقد ادى انحلال الميتافيزيقيا ونمو العلوم الطبيعية الى تزايد الاهتمام بالنظريات التأثرية. والنقد العربي حتى اوآخر القرن الثاني واوائل الثالث الهجري، كان نقداً جزئيا ذاتيا محضاً، وان تضمن جانبا موضوعيا فقد كان هذا الجانب مستعاراً من البحوث اللغوية وان قرر قانونا عاماً فقد كان هذا القانون اتباعا للاقدمين.
ان طبيعة الادراك العربي للشعر، تختلف عن طبيعته عند اليونان، فالشعر العربي ينحصر أو يكاد في الشعر الغنائي، وفيه يتغنى الشاعر بعواطفه ومشاعره الفردية من مدح، وغزل، ورثاء، وفخر، وهجاء فينطوي الشاعر على نفسه، ويعبر عمّا يبدو له من خواطر، فتكون ذاته، وغاياته، واهدافه الفردية هي شغله الشاغل في نظمه. اما اليونان فلا يكادوا ان يقيموا للشعر الغنائي وزناً؛ لانه اثر الوعي الفردي؛ ولانه خال من مقومات الفن ذي الاغراض الاجتماعية، وهو الفن الحق عند ارسطو، ومن هنا اختلف المعيار عند الغربيين عنه عند العرب فالصورة الفنية التي تحلق في الاجواء الخيالية الغريبة البعيدة هي اساس الاجادة عندهم، اما عند العربي، فالبيت المفرد او الابيات القليلة والتجارب الانسانية في خضم حياة البشر الواقعية هي الاساس الذي يستمد منه في كثير من الاحيان معياره مع تداخل الاهواء والآراء.
مال كثير من نقادنا القدماء الى التأثرية والمواجهة الحرة للاشعار المعتمدة من خلال الاستجابة العرضية والآنية عبر عملية التلقي، والنفور من النقد الذي يستخدم مفاهيم ومصطلحات مضبوطة، ويعين له موضوعاً ملموساً. فهذا الاصمعي يُقيم الشعراء ويحكم لهم بالشاعرية من خلال اطلاق مصطلح (فحل) او (غير فحل) عليهم وهذا مقياس نسبي يرجع الى الذوق؛ لان زيادة الشاعر على غيره قد تكون في الكم أو الكيف او الاثنين معا أو في استيعاب الاغراض الشعرية المتعارفة أو حسن الاتباع وغير ذلك من الامور التي تختلف فيها اذواق النقاد وتتعدد مشاربهم. فحين يسأل ابو حاتم السجستاني الاصمعي: (قلت فالاعشى اعشـى بني قيس بن ثعلبة
ليس بفحل، قلت: فعلقمة بن عبدة، قال: فحل، قلت: فالحارث بن حلّزة، قال: فحل، قلت: فعمرو بن كلثوم، قال: ليس بفحل، قلت: فالمسيب بن عَلس، قال: فحل، قلت: فعدي بن زيد، أفحل هو؟ قال: ليس بفحل ولا انثى).
ويكاد هذا الأمر لا يختلف مع ابن سلاّم الذي أخذ يطلق لفظ (فحل) على الشعراء الذين تضمنتهم طبقاته العشر، فحين يترجم للمخبل بن ربيعة يستند الى ذوقه الشخصي، ومدى وقع الشعر على نفسه، فيقول عنه: انه شاعر فحل، وله شعر جيد كثير.والشيء نفسه يفعله في ترجمته للقطامي، الذي قال عنه: انه فحل رقيق الحواشي، حلو الشعر، والاخطل ابعد منه فكراً، وامتن شعراً. ولا عجب في استناد ابن سلام الى ذوقه وهو الذي يقرّ صراحة: ان الكلام يرويه كل قوم بأهوائهم، وكما يقول محمد زغلول ان النقد القديم يدين بالفضل لابن سلاّم في محاولته بناء النقد على الذوق الى جانب المقاييس التي عرضها، وهذا مانبه إليه في مقدمة طبقاته.
فكان مقياس الذوق دعامة اساسية، اذ ان علم الناقد وصناعته عند ابن سلاّم هما ذوقه الذي يتكون بكثرة المدارسة، فالذوق ليس ملكة اعتباطية أو طاقة خارقة، لكنه دربة وممارسة مع ملاحظة ان الذوق أوالانطباع لم يكن المعيار الوحيد المهيمن والمستحوذ على منهج ابن سلاّم، وانما نجد عنده اختلاط المعايير وتعددها، والمعيار الانطباعي واحداً منها.
وللجاحظ رأيٌ طريفٌ في الشعر ومدى انطباعه على نفسه وموقفه من الشعر الوسط الذي لا هو جيد ولا رديء، فيقول: (انما الكرب الذي يختم على القلوب، ويأخذ بالانفاس النادرة الفاترة، التي لا هي حارة ولا هي باردة وكذلك الشعر الوسط، والغناء الوسط وانما الشأن في الحار جداً، والبارد جداً). فالجاحظ لا يقيم وزنا للشعر الوسط الذي تخافه النفس وتهرب منه، فلا هو جيد، فترتاح له، ولا هو بالرديء الذي تكره سماعه وتنفر منه.
ونرى الجاحظ يُحكَّم ذوقه في حكمه على شاعرية ابي حية النميـري، حين قال عنه: انه
أجنَّ من جعيفران، وكان اشعر الناس. فناقدنا انطلق من انطباعه الشخصي في الحكم والمفاضلة حين جعل من ابي حية اشعر الناس دون ان يستند الى ما يبرر هذا الحكم ويعضده من داخل الشعر نفسه. وفي هذا النوع من النقد كما اشار الى ذلك عناد غزوان امكانية الاستعاضة عن الحكم بالإحالة على استجابات الوجدان والتخيل الذي يولد مع الموضوع، وفي هذ النوع من النقد انصرافا عن الموضوعية التي تتصف بها القواعد الجاهزة الى فوضى الذاتية.
ويتجسد المعيار الانطباعي اوضح ما يتجسد عند ابن قتيبة في عبارة موجزة كافية وافية، حين قال: (ولله درُّ القائل: اشعر الناس من أنت في شعره حتى تفرغ منه). فالشاعر الحق المتمكن من صنعته هو الذي يأسرك بشعره فيجعلك تحلّق معه وتفكر تفكيره فترسم صوره التي رسمها وانطبعت في مخيلته فلا يسمح لك عقلك بالزوغ عنه، أو الإنشغال بغيره. وخير ما يعبر عن هذا الموقف، ما ذكره العُتبيُّ: من ان مروان بن أبى حفصة قد أُنشِدَ لزهير، فعندما سمع شعره، قال: زهير اشعر الناس. ثم انشد للأعشى فقال: بل هذا اشعر الناس. ثم انشد لامرئ القيس، فكأنما سمع به غناء على شراب فقال: امرؤ القيس والله اشعر الناس). وفي هذا القول ما فيه من تغيّر موقف السامع واختلاف حكمه بمدى انطباع ذلك الشعر وقربه من ذوقه، ومناجاته لنفسه. وبهذا يكون التذوق: عملية ينهض بها الذوق بالشكل الذي يجعلها قادرة على الاحساس بالكمال او النقص في الأثر الأدبي، وعلى التمييز بدقة بين حسنات هذا الأثر وعيوبه، ومن ثم القيام بإصدار الحكم النهائي عليه.
وابن المعتز كان متذوقا منتقيا، يذكر الاخبار ويرسم الصور ومن ثم يقوّم الاشعار التي يختارها تقويم الناقد الذواقة المتمرس الذي خبر الاشعار ومارس نظمها، ولعل في تعليقه التقويمي التذوقي على ابيات ذكرها لمسلم بن الوليد في مؤلفه (طبقات الشعراء ما يدلَّ على مصداقية هذا الكلام اذ نجده يقول: (ومما يستحسن له- على ان شعره كله ديباج حسن لا يدفعه عن ذلك احد-
قوله:
فإني وإسـماعيـل يـوم وَدَاعه
لكـالغِِمْد يوم الَّروْع رايلَه الَّنْصلُ
فإن اغشَ قومـاً بعده أو اُزْرهُـمُ
فكالوحشِ يُدْنيها من الأنَسِ المحل
وهذا معنى لا يتفق للشاعر مثله في ألف سنة).
فمن الواضح ان احكام القيمة تغلب على هذا التعليق، دون ابراز الظواهر الملموسة في شعر الشاعر، فالناقد اعجب بهذا الشعر، وافصح عن إعجابه به من خلال وقع معناه من احساسه الشخصي، وتحريكه لمشاعر قلبه, وقرين هذا القول ما نقله ابن المعتز عن مجنون، انه قيل له: (ما أحسن الشعر؟ قال: ما لم يحجبه عن القلب شيء
والمشاعر نفسها هي ما تهزَّ قلب القاضي صاحب الوساطة عندما اعجب ببيتي النسيب الآتيين:
تَصُدُّ وَتُبْدِي عَنْ أَسِـيلَ وَتتَّقِى
بِنَاظِرَةٍ مِنْ وَحْش وَجْرَةَ مُطْفِلِ
وقول عِديّ بن الرقاع:
وكأنَّها وَسْـطَ النِّسـاءِ أعَارَها
عَيْنَيْهِ أحْوَرُ مِنْ جَآذِرِ جَاسِـمِ
فيعلق القاضي على هذين البيتين: رأيت اسراع القلب إليهما، وتبيّنت قربهما منه، والمعنى واحد، وكلاهما خال من الصنعة، بعيد عن البديع. فكأن القاضي بقوله هذا، يجعل من القلب هو الحَكَم القاضي بجودة الشعر من خلال مناداته العاطفة، وتحريكه للمشاعر، وانطباع كل ذلك على ذوقه وهذا ما جعله يبدي إعجابه بالبيتين على الرغم من تناول المعنى نفسه وتداول قصائد النسيب التشبه بعيون الجآذر ونواظر الغزلان عند شعراء آخرين.
وينقل المرزباني خبراً عن الأصمعي انه شبّه شعر ذي الرمة بابعار الظباء ونقط العروس، اي انه حلو أول ما نسمعه، فاذا كثر انشاده ضعف وذهب حسنه؛ لان ابعار الظباء لها رائحة اول ما تشم فاذا ادمتَ شمها ذهبت تلك الرائحة، ونقط العروس اذا غسلتها ذهبت.
وفي هذا القول ما فيه من الإشارة إلى الذوق السريع المعتمد على الخاطرة العابرة، والانفعال الوقتي المصاحب للموقف المعبر عنه، فان الصور التي يرسمها ذو الرمة في شعره تكون مكشوفة المغزى لا يحتاج معها سامعها الى إدامة النظر، واتعاب الذهن للتوصل الى فهم معناها، الا إن هذا الكلام لا يعني ان شعر ذي الرمة من النوع المغسول الخالي من الصور الجديدة والمبتكرة، والمقترب من الانحطاط والدونية، انما قصد الاصمعي في كلامه ان سامع ذي الرمة او قارئه، يأسر له منذ اللحظة الاولى لتلقيه الشعر، ويأخذ من انطباعه نصيبا الا انه ليس من نوع الشعر العميق الصور، المتعدد الدلالات الذي تتجدد دلالته في كل قراءة جديدة له. وكما يقول بعض فلاسفة علم الجمال: (ان اصل الانطباع والتعبير يعود الى الحدس الجمالي، في حين يرى فريق آخر ان المعاناة والقول الشعري، هما سمتان من الحدس الجمالي الذي يخلقه الانطباع والتعبير كلاهما).
ويجعل ابن رشيق من جودة الشعر والحكم عليهُ، مسألة نسبية لا يمكن ان تحد بحدود نقف عندها، انما هي شيء تقع في النفس عند المميز، كالفرند في السيف، والملاحة في الوجه.فتكون المفاضلة بين الشعراء، راجعة الى ذوق الناقد ومدى إنطباع الشعر في نفسه؛ لهذا نجد الشعراء مُختلفين في التفضيل بسبب معايير ليست في اكثرها فنية، فمما لا شك فيه ان الذوق يختلف باختلاف الافراد، وهذا يؤكد خضوع الذوق للنقد الجمالي الذي يخضع بدوره للنظرية النسبية في رؤيتها للاشياء؛ ولذلك يستحيل ان نجد اثنين من النقاد يتفقان فيما يعيبان من العناصر المكونة للذوق، فالذوق موهبة طبيعية تولد مع الانسان، وتتطور بتطوره، فتظل بحاجة الى المران والتهذيب والممارسة.