انضم لقائمتنا البريدية هنا

للاعلان لدينا




العودة   منتديات عاشق لبنان > °ˆ~*¤®§(*§ منتديات عذب الكلام والثقافة §*)§®¤*~ˆ° > المنتدى الادبي

الرجاء اختيار عمرك والضغط عليه علما اننا لا نطلب اي معلومات شخصية مجرد استفتاء

الإهداءات

رد
 
LinkBack أدوات الموضوع أنماط العرض
قديم 03-18-2008   #1
أديب المنتدى
 
صورة عضوية د.جاسم العراقي
 
تاريخ الانضمام: Jun 2006
محل السكن: العراق الجريح
المشاركات: 10,352
صورة ألام في شعر السياب


بقلم الدكتور العراقي


إنّ الام هي الرمز الانساني للقيم العالية، فهي المعين الذي تتفجر من احضانه الاجيال، وهي الطاقة التي تمدّ الحياة بعناصر الديمومة والبقاء ، ولولاها لم تتكون الأسرة، ولم تبق المثل والاخلاق السامية، ولولاها لفقدت المجتمعات عناصرها الضرورية في التكون والتكوين ، ولآل الوضع إلى حال يتعذر علينا تصوره. فهي ينبوع الحب النزيه المجرد من شوائب الانانية ، والدوافع النفعية، وهي التضحية والايثار، والحنان النقيّ، إذ تغرس في ابنائها كلّ السجايا الراقية، وتواصل أيامها ولياليها كي تمنحهم الكيان بعون من الله وتوفيقه، لذلك نرى الشعراء خصوها بثنائهم. إن غياب المرأة بالملموس المعيش في حياة الشعراء أكثر إثارة لخلق الشاعر الناجح من حضورها – بالملموس المعيش – فالحرمان من المرأة من دواعي الاستثارة لدى الشاعر لكي يعبّر عن مفقوده .
لقد حظيت صورة المرأة( الام) بإهتمام كبير من لدن الشعراء منذ عصر ما قبل الاسلام وامتداداً إلى صدر الاسلام وما تلاه من العصور الاسلامية التالية . ومن صور ذلك الاهتمام أنهم حينما عمدوا إلى رسم صورة المرأة الحبيبة القريبة إلى نفوسهم واذواقهم ، حاولوا تشبيهها بالظبية المطفل أو المهاة . وغيرها من الحيوانات الاخرى الحاملة لصفات الامومة ، ومن ذلك قول( طرفة بن العبد) متغزلاً :
ولها كشحا مهاة مطفل
تفتري بالرّمل أفنان الزهر


نرى إن الصورة المثالية للمرأة عند الشعراء، هي الصورة المتصلة بمعاني الخصب والمرتبطة جوهرياً بوظيفتها الامومية، ومن خلال ذلك يمكـننا القول إن المرأة الام او صورتها الامومية كانت راسخة في خيال الشعراء منذ القدم، لما تحمله من صفات الخصب والانبعاث فبحثوا عنها في نصوصهم وبرزوها في صورهم .
إنّ الشاعر بدر شاكر السياب يعرض لنا في شعره قضية قد أثارها وعمق مأساتها وكأنما اراد أن يجعلها قضية تسويقية ليستجلب عطف كلّ من حوله وشفقتهم ومن بينهم النقاد. إذ كان الطفل شديد التعلق بأمه فلما خطفها الموت ، اثر ذلك فيه تأثيراً كبيراً، وحين كان يسأل عنها كانـوا يقولـون لـه "ستعود بعد غد" . وراح الطفل الذي فقد الحضن الدافىء يبحث عنه ولم يكن عسيراً عليه أن يجده في شخص جدته لابيه ( أمينة) . حيث يقول السياب في قصيدته إنشودة المطر :
كأن طفلاً بات يهذي قبل ان ينام
بأن أمه – التي أفاق منذ عام
فلم يجدها ، ثم حين لجّ في السؤال
قالوا له :" بعد غد تعود "
لابد أن تعود
وأن تهامس الرفاق أنها هناك
في جانب التلّ تنام نومة اللحّود
تسفّ من ترابها وتشرب المطر ، .
نلمس أنّ صورة المرأة الام من الصور التي حرص الشعراء على استحضارها في نصوصهم الغزلية او غيرها، تأكيداً لتميزها لديهم، فهم غالباً ما يكنون المرأة التي يتغزلون بها بإلفاظ الامومة . ولا بد من الاشارة إلى أنّ وصف المرأة او ذكرها في الشعر إن كانت رمزاً او حقيقة يعني التمرد من قبل الشاعر على واقعه بصوره واشكاله كافة، ولا شك في إنّ النتيجة التي يطرح بها الشاعر ذلك العاشق المتمسك بمعشوقته وحبيبته وأمه هو دليل على وعيه الفني وطموحه ، فذكر الام والحبيبة في قصائد الشاعر تعبير عن الحنين الجارف الذي يعيشه مع ذاته.
كان بدر يعاني منذ طفولته من مرض ( المرأة) إذ أنّ المرأة المثالية عند بدر هي الام، وأمه بالذات، فلم تتسع حياة بدر وأمه لان يكبر وتكبر، فلم تبق منها غير صورة الامومة الرمزية تحيط بها هالة مقدسة تقابلها عند الشاعر صور الحبيبات.
فالشاعر بالغ في عرض قضية وفاة والدته ومدى تعلقه بها وحرمانه منها حيث نرى من خلال الصور الشعرية التي رسخها لتلك القضية أنه انسان خيالي يبحث عن الصور المثالية، واعتقد أنّ تلك القضية التي طرحها الشاعر في اكثر قصائده تستحق المناقشة والكتابة عنها من خلال ما جاء في الكتب الادبية والنقدية وكتب علم النفس . والشاعر ظل يؤكد قضية حرمانه من أمه وأنه لن يجد من يعوضه ذلك الحب والحنان فقضى حياته يبحث عن إمرأة مثالية تعوضه عن حضن أمه . حيث نسمعه يقول: " فقدت أمي وما زلت طفلاً صغيراً فنشـأت محروماً من عطف المرأة وحنانها، وكانت حياتي وما تزال كلها بحثاً عمن تسد هذا الفراغ، وكان عمري انتظاراً للمرأة المنشودة، وكان حلمي في الحياة أن يكون لي بيت أجد فيه الراحة والطمأنينة " . كما كان يفتقر الى علاقة راسخة مع ابيه حيث يقول:
أبي منه جردتني النساء

وأمي طـواها الردى المعجل.

ولو نرجع إلى كتب علم النفس ونتعرف إلى مفهوم الحرمان ونرى هل بالغ السياب في ذلك على الرغم أن طفولته تشبعت بحنان جدته وكلّ من حوله من الاقارب والاصدقاء بعد وفاة أمه ( كريمة) .
كما تشير نتائج البحوث والدراسات إن فقدان الوالدين اللذين هما المصدر الاول للحنان والعطف والرعاية للطفل وحرمانه من العيش معهما يترتب عليه آثار تربوية ونفسية وصحية تظهر في سمات شخصيات الاطفال فيكابدون من مشاعر الخوف وانعدام الامن النفسي. واتفق أكثر الباحثين على أنّ الضرر الناتج عن الحرمان من الام يكون ما بين الثالثة والخامسة من عمر الطفل ،إلا أنها تكون أقل خطراً مما لو حدثت قبل ذلك، وخلال هذه الفترة لا يعيش الاطفال في الحاضر تماماً وبالتالي يستطيعون إلى حد ما تصور الوقت الذي ستعود فيه الام، وذلك مما يستحيل بالنسبة لمعظم الاطفال الذين تقل سنهم عن الثالثة، واوضحت احدى الدراسات أنه عند الحرمان من الام يتأخر دائماً نمو الطفل الجسمي والعقلي والاجتماعي ، حيث نرى هناك بعض العوامل التي تؤثر في هذا الحرمان كالسن الذي يفقد فيه الطفل رعاية أمه، وطول مدة الحرمان ومدى انعدام رعاية الام، ومن الآثار المباشرة ايّ القريبة المدى للحرمان من الام هو الالحاح المتزايد في طلب الام او بديلتها، ونرى ان الشاعر كان يلح في السؤال عن أمه وكل من حوله يجيبه أنها (ستعود بعد غد)، وكان السياب يسأل عن قبرها المدفون عند جانب التل. وبذلك يؤكد علماء النفس أن للطفل قدرة على التذكر الآلي ووضوح التذكر الآلي عند الاطفال قوي جداً، ونلمس هذا الشيء عند الشاعر، إذ نشعر من خلال قراءة حياته وأشعاره أن له قدرة وهو طفل صغير على استرجاع ما حدث له، وحتى عندما كبر الطفل واصبح شاعراً ظل يتذكر ما حدث له في سنوات الطفولة من حرمان لازمه حتى نهاية عمره بعد فقدان أمه وزواج أبيه وموت جدته أمينة، وفي كلّ الدول التي ذهب اليها وحتى في فترة حياته في المدينة ظل ذلك الالم يعيش في داخله وظلت ذكريات الطفولة والحنين إلى الماضي متأصلة في اعماق ذاته .
وقد أشارت إحدى بحوث مجلة موسوعة الام والطفل عندما يكون الطفـل بين الثالثة والخامسة من عمره، قد يصبح الاب مركزاً لمجموعة من الصراعات العاطفية وهو ما يسمى بـ ( عقدة اوديب) عند الولد و( عقدة اليكترا) عند البنت. التي تؤثر في الوالدين معاً، وأهم ما يميز هذه الازمات العاطفية هي أنّ الطفل الذكر يتعلق بأمه بشدة ، في حين تتعلق البنت بأبيها، فالطفل الذكر الذي يتعلق بأمه ينظر الى أبيه على أنه منافس له على حب الام وعاطفتها، وشاهدنا على ذلك السياب الذي يكشف لنا في شعره عن مدى تعلقه بأمه لدرجة أنّ لديه اشعاراً تدور حول مناداة بدر لامه وهي في قبرها ، حيث يسهر الليل كله في إنتظار الصوت الاليف ، ولكن الباب ما قرعته غير الريح في الليل العميق فيستجدي صوت الام المتوارية تحت الرغام يأمل لو لم تمت، لملأ صوتها عليه الحياة حيث يصرح في قصيدته ( الباب تقرعه الريح) التي كتبها في لندن في 13/3/1963، وفيها يقول :
هي روح أمي هزها الحبّ العميق ،
حبّ الامومة فهي تبكـــي
" آه يا ولدي البعيد عن الديار !
ويلاه! كيف تعود وحدك، لا دليل ولا رفيق ؟ "
أماه ليتك لم تغيبي خلف سور من حجار
لا باب فيه لكي أدق ولا نوافذ في الجدار !
كيف انطلقت على طريق لايعود السائرون
من ظلمة صفراء فيه كأنها غسق البحار ؟
كيف انطلقت بلا وداع فالصغار يولولون ،
يتراكضون على الطريق ويفزعون فيرجعون
ويسائلون الليل عنك وهم لعودك في انتظار ؟
الباب تقرعه الرياح لعلّ روحاً منك زار
هذا الغريب !! هو ابنك السهران يحرقه الحنين
أماه ليتك ترجعين .
شبحاً وكيف أخاف منه وما امحّت رغم السنين
قسمات وجهك من خيالي ؟
اين أنت ؟ أتسمعين
صرخات قلبي وهو يذبحه الحنين الى العراق ؟
الباب تقرعه الرياح تهبّ من أبد الفراق .
نرى هناك نظريات تتحدث عن تعلق الطفل بأمه ونظريات تتحدث عـن تكون شخصية الطفل في سنوات الطفولة المبكرة . حيث تقر نظرية التحليل النفسي (أن التعلق الشخصي بين الطفل وأمه يدفع الام لان تزوده بحاجاته الجسمية في السنة الاولى من حياة الطفل حيث يبلغ أقصاه في السنة الثانية التي نجد أنّ الطفل خلالها تبدو عليه أمارات القلق حين تتركه الام إلى حين، وهو ليس بالضرورة حالة مرضية، وأنما يشير في أغلب الظن إلى أنّ الطفل يرى أنّ لامه أهمية كبرى بالنسبة لمصلحته الامر الذي يجعله يضطرب لغيابها). ولذلك كان من المتوقع أن يصبح الانفصال عن الام أمراً في غاية الاحباط بالنسبة للطفل(. أما نظرية التعلم الاجتماعي فتقر (بأن الطفل يصبح مرتبطاً بالام لانها هي التي ترعاه وتشبع حاجاته وبذلك تصبح حدثاً معززاً في حياته فيتعلم الطفل حبها) ، وان الطفل إذا أبعدت أمه فجأة كأن يدخل إلى مستشفى أو الى مؤسسة فأنه يواجه بمهمات يشعر بأنه يتعذر عليه القيام بها، وقد أشارت كثير من الدراسات إلى أن معظم الصغار فيما دون الثانية يضطربون حين ينفصلون عن امهاتهم.
ولو تحدثنا إلى جانب تكوين الشخصية عند الطفل ، نرى فرويد يعتقد أن الخاصية المميزة للشخصية تتكون في الطفولة إستناداً إلى طبيعة التعامل أو التفاعل بين الطفل ووالديه. ويؤكد الفريديون الجدد منهم الفريد أدلر أهمية تاثير الام كأول شخص يتصل به الطفل، اما ( أيرك فروم) فأنه يتفق مع فرويد في أنّ السنوات الخمس الاولى من الحياة مهمة جداً لكنه لا يعتقد أنّ الشخصية تثبت بشكل قاطع في عمر الخامسة، ويرى أنّ الاحداث اللاحقة يمكن أن تكون مؤثرة في الشخصية مثل الاحداث الاولى. إذن تلعب الام دوراً في جعل الطفل يتكيف مع غيره وبذلك تتكون شخصيته ولكن بعد فقدان الام كل من يحيط بالطفل ويتولى رعايته سيؤثر في تكوين شخصيته . ولا بد من الاشارة إلى ان ظواهر نمو الطفل إجتماعياً في الفترة من عمر ثلاث سنوات إلى ست سنوات هو ما نشاهده من تعلق الطفل بالاشخاص الكبار وارتباطه معهم بروح من المودة المتبادلة . كما انه ينجذب من الناحية الاخرى إلى الاطفال الآخرين ممن هم في عمره، ولكنه سرعان ما يحول انتباهه عنهم ليحوم نظره حول الكبار طالباً مساعدتهم ، فهو من الناحية الاجتماعية يبقى معتمداً على الراشدين، على الرغم من الناحية الجسمية لا يستطيع الاستغناء عن أمه. وهناك عوامل اجتماعية تسهم في تحقيق التوافق في الشخصية فإذا لم تتهيأ للطفل بشكل جيد، فأنّ ذلك سيؤدي إلى تكوين شخصية ذات سمات غير متوافقة . وأنّ المرض النفسي صورة للتوافق السيء، وينمو في بيئة غير طبيعية كفقدان أحد الوالدين ، أو التفريق بينهما وحرمان الطفل من الرعاية والحب مما يؤدي إلى سوء التوافق. وحتى لو تحدثنا عن جانب القلق والاضطراب الانفعالي الذي يصيب الطفل ويؤثر في شخصيته وقد يلازمه هذا الامر حتى عندما يكبر نرى إنّ من اهم الاسباب التي تؤدي لحدوث القلق عند الاطفال، هو شعور الطفل بإحتمال موت أحد الوالدين أو الاخوة او شخص يحبه، او الانفصال عن الام.



__________________
[center][center]







شكرا لمن أهداني هذين التوقيعين

آخر تحرير بواسطة د.جاسم العراقي : 03-18-2008 الساعة 12:59 PM.
د.جاسم العراقي غير متواجد حالياً   رد باقتباس
قديم 03-18-2008   #2
أديب المنتدى
 
صورة عضوية د.جاسم العراقي
 
تاريخ الانضمام: Jun 2006
محل السكن: العراق الجريح
المشاركات: 10,352

وهناك دراسة اجريت عام 1978 في مصر لدراسة التكيف الشخصي والاجتماعي للتلاميذ ( المحرومين من امهاتهم) وشملت الدراسة (112) طفلاً مع امهاتهم نصفهم من المحرومين ونصفهم الاخر ممن يعيش مع امهاتهم وتم ضبط المتغيرات كالذكاء والعمر والمرحلة الدراسية وطبق الباحث عدداً من المقاييس منها اختبار الذكاء المصور واختبار الشخصية للاطفال واستمارة الحالة الاجتماعية واداة لقياس شبكة العلاقات الاجتماعية تعرف جوانب من شخصيتهم وتكيفهم الشخصي والاجتماعي. فان أهم النتائج التي توصلت لها الدراسة فهي ان استجابات التكيف الشخصي كانت لصالح غير المحرومين . وان لغياب الام عن الطفل أثراً كبيراً في شخصية الطفل وتكيفه بوجه عام وكان الاطفال المحرومون أقل تكيفاً من الاطفال الذين يعيشون في رعاية أمهاتهم. كما أشارت الدراسة إلى أن المحرومين يتسمون بالانطواء وضعف علاقاتهم الاجتماعية على العكس من اقرانهم غير المحرومين
إن علماء النفس يذكرون في ارائهم التي وضعوها في كتبهم النفسية ، أنّ الحرمان من الام في سنوات الطفولة المبكرة شيء يؤثر في الطفل وشخصيته، كذلك يؤثر في النمو العقلي للطفل وله تأثير من الناحية الاجتماعية والنفسية . والطفل دائم الحاجة إلى أمه فهو لا يستغني عنها من كلّ النواحي إن كانت الجسمية او العقلية او الاجتماعية ويكون لها تأثير كبير في نفسية الطفل. على الرغم من ان هناك آراء تنص على تعلق الطفل بمن حوله من الاشخاص الكبار والتفاعل معهم إلا أنه يرجع إلى إمه وحاجته لها .
بعد أن تعرفنا على رأي علماء النفس في هذه القضية نرجع إلى شاعرنا بدر الذي جعل من قضية اليتم وسيلة لكي يحقق الشهرة ويثير كل مـن يقرأ ويسمع له وجعلها قضية تجارية حتى يشغل فكر النقاد وخصوصاً عندما ادرك أثر الام في الطفل، إذ وسع بدر تلك القضية . لقد ظل السياب طول مدة حياته يشكو من حرمانه ومن عاطفة الامومة التي فقدها وهو في عمر صغير ولقد جسد ذلك الحرمان من الام في اشعاره حيث بالغ في عرض صورة ذلك الحرمان في شعره حيث يسأل عنها كلّ من حوله وينادي عليها في قبرها حيث تجلت صورة الام عنده برموز عديدة في قصائده .
والشاعر يتذكر أمه وهو بعيد عن وطنه ونرى من خلال شعره يكشف لنا أن علاقته بالارض جاءت نتيجة علاقته بأمه ، ويعرض لنـا عاطفة الام ازاء ابنائها وهم في ساحات الوغى . حيث يقول في قصيدته ( غريب على الخليج) .
هـي وجه أمي في الظلام
وصوتها، يتزلقان مع الرؤى حتى أنام
وهي النخيل أخاف منه إذا ادلهم مع الغروب
فاكتظ بالاشباح تخطف كلّ طفل لا يؤوب
من الدروب.

وهنا نلمس مدى اشتياق السياب لامه وهو بعيد عن وطنه ويقول فـي قصيدته افياء جيكور :
أفياء جيكور اهواهـــا
كأنها انسرحت من قبرها البالي،
من قبر أمي التي صارت أضالعها التعبى وعيناها
من أرض جيكور ترعاني وارعاها
وهنا يبين السياب مدى علاقته بأرض جيكور وهي متأتية من محبته وحنينه إلى امه. ونلاحظ كيف عرض السياب مشاعر الام تجاه ابنائها وهم يقاتلون وكيف تتحدث الام لابنائها عن ابيهم وهو يقاتل وتشير إلى شجاعته حيث يقول في قصيدته ( ابن الشهيد) :
من عيني ابنك ، يا شهيد، تسائلان ، بلا جواب ،
عنك الاسرة والدروب ، وتسألان عن المصير،
مـذ البسته الام ثوبك في معاركك ، الاثير
ويداه في الردنين ضائعتان ، والصدر الصغير
في صدرك الابوي عاصفة تغلّف بالسحاب
ورنا إلى المرأة
ابصر فيه شخصك في الثيــــاب
ـ "أبني كان أبوك نبعاً من لهيب ، من حديد ،
سوراً من الدم والرعود ،
ورماه بالآجل العميل فخر- واهاً – كالشهاب ،
لكن لمحاً منه شع وفض اختام الحدود " .
لنرجع إلى واقع المجتمع العراقي وبالتحديد إلى العائلة العراقية التي تمثل وحدة اجتماعية متماسكة ، إذ نلاحظ إذا ماتت الام وتركت طفلها فيجد ذلك الطفل من يحتضنه ويتولى رعايته، نرى السياب بعد فقدان أمه يشكو الحرمان منها ويسأل عنها كلّ من يكون حوله ليجيبه الآخرون (ستعود بعد غد) ، بالوقت الذي احتضنته جدته(أمينة) وكل من حوله لكي يمنحوه الحنان والمحبة، إذ يشكل ذلك الطفل مصدر إهتمام كل اقاربه ، وأرى ان الطفل يهتم في الطفولة بجانب مهم هو من سيمنحه الرعاية والاهتمام بشؤونه حتى لو كانت الام موجودة والاب وهناك الخال او الخالة او العمة او العم وقبل هؤلاء الجدة والجد، فأيّ شخص من هؤلاء إذا تسابق مع الام ونافسها في هذا الجانب فنرى الطفل يتعلق بمن يراه يشبع كلّ حاجاته حتى لدرجة أنه إذا تعلق بجدته او عمته او خالته سينسى وجود أمه ولقد شاهدت هذه الحالة في إحدى العوائل العراقية، فكيف السياب يشكو الحرمان وهو الذي تلقى العناية والاهتمام من جدته وعمته وكلّ من كان حوله فماذا يتذكر عن أمه التي توفيت وهو صغير، إذ نلاحظ في قصيدته (رثاء جدتي) انشد لها هذه القصيدة بعد وفاتها عام 1942 وفيها يعترف السياب كيف أن الجدة امينة شغلت مكان أمه في قلبه إذ يقول:
جدّتـــي
وهي كلّ ما خلف الدهر من الحبّ والمنى والظنون
ورجاءً بدا فألهمني الصفو وخفّت أنواره لحنيني
قد فقدت الام الحنون فانستني مصاب الام الرؤوم الحنون
كم تحملت في حياتك سقماً ودّ قلبي لو أنه يعتريني !
تتلوين في مهاد المنايا وتغيبين في عذاب الانين
لقد ظل الشاعر طول حياته يحلم بالطفولة والعودة إلى الام ويجد في الماضي عزاء عن الحاضر ، بل هو يزخرف الماضي لان في ذلك التمويه تعويضاً عن قسوة الحاضر، ونراه يحنّ ويرغب بالعودة إلى تلك الام التي فقدها وهو صغير ويريد العودة إلى الطفولة ، إلى القرية، ولهذا فإنه يتساءل حائراً :
جيكور ماذا؟ أنمشي نحن في الزمن
ام انه الماشي
ونحن فيه وقوف ؟
أين اوله
وأين آخره ؟
هل مرّ اطوله ؟
ام مرّ اقصره الممتد في الشجن؟ .
نلاحظ أن موت أم الشاعر وهو طفل صغير عمق في ذاته مأساة الموت، ودفعه للإلتجاء إلى صور الانبعاث لمجابهة هذا الرعب الكبير . إذ نرى في قصيدته التي كتبها عام 1948 ( في القرية الظلماء) استيقاظ الموتى المدفونون عند التل – حيث دفنت أمه – وكأنهم كانـوا نياماً، لكن يقظتهم هذه ليست انبعاثاً : هم يسمعون صوت الريح وينظرون إلى الهلال ويعودون إلى قبورهم في آخر الليل متسائلين عن موعد الانبعاث . وكأن هذه اليقظة ليست حقيقة بل وهم وحلم، لانها لم تغتن بابعاد رمزية وظلت رغبة في عودة الام الميتة إلى الحياة كما كانت قبل أن تموت. وبما أن الشاعر يعرف استحالة تحقيق هذه الرغبة في الواقع فقد سمح لنفسه بتحقيقها في الحلم خـارج نطـاق الزمن ، أما الساعة التي تقرع في المدينة فتذكر بالعودة إلى الواقع وتعيد حركة الزمن، فيكتشف الشاعر أنه وحيد في غابات القرية. حيث يقول السياب فـي قصيدته: (في القرية الظلماء)
القرية الظلماء خاوية المعابر والدروب،
تتجاوب الاصداء فيها مثل أيام الخريف
جوفاء000 في بطء تذوب،
واستيقظ الموتى – هناك على التلال ، على التلال
الريح تعول في الحقول . وينصتون إلى الحفيف
يتطلعون إلى الهلال
في آخر الليل الثقيل ويرجعون إلى القبور
يتساءلون متى النشور !!
والآن تقرع في المدينة ساعة البرج الوحيد
لكنني في القرية الظلماء في الغاب البعيد .

د.جاسم العراقي غير متواجد حالياً   رد باقتباس
قديم 03-18-2008   #3
أديب المنتدى
 
صورة عضوية د.جاسم العراقي
 
تاريخ الانضمام: Jun 2006
محل السكن: العراق الجريح
المشاركات: 10,352

لو امعنا النظر في قصيدته أنشودة المطر نجد أن السياب يبدأ القصيدة بإبتهالات أمام الطبيعة والهة الطبيعة ، حيث تقف عشتار حبيبة، وامامها الشاعر يصلي وعشتار هي الفصول في تحولاتها ، وهي الحياة والموت ، وهي العناصر المختلفة : نجوم ، عصافير، شجر، أنها حركتها المتجددة الدائمة. ثم تتحول إلى الام، الام التي ماتت عندما كان الشاعر صغيراً . الام الحقيقية التي لا تشبه الاسطورة في شيء . فهي تموت ، وتسكن اللحد، ، وتسف من ترابها وتشرب المطر .
الام هي الوجه الآخر لعشتار، أنها امتدادها التفصيلي والملموس في الواقع. انها الموت الحقيقي القادم من ذكريات الطفولة . فهناك امرأتان ( عشتار، الام)، عشتار في ثباتها الاسطوري ومعرفتها لتجدد الحياة في اوج لحظة الموت، والام التي ماتت. فعشتار تضم موت الام إلى حياتها. إن موت الام يصبح جزءاً من صدى الامل الذي ينبعث من دورة الحياة. حيث يقول الشاعر في قصيدته :
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر ،
او شرفتان راح ينأى عنهما القمر
عيناك حين تبسمان تورق الكروم
وترقص الاضواء كالاقمار في نهر
يرجّه المجذاف وهناً ساعة السحر
كأنما تنبض في غوريهما ، النجوم.
يمكن القول إن انشودة المطر تعدّ تحولاً نوعياً في طبيعة شعر السياب، حيث وجد السياب ذاته، واكتشف الاسطورة من حيث هي رمز وبناء، وخاطب فيها امرأة ليست عادية ، فعيناها غابتا نخيل، وهو أكثر انواع الشجر وجوداً في ارض العراق . فيبدو الشاعر يخاطب أرض بلاده رامزاً اليها بصورة امرأة . حيث شعر الانسان منذ عصور بعيدة أنّ هناك ارتباطاً حقيقياً بين المرأة والارض، إذ أن الانسان خلق من تراب الارض ويعود بموته إليها بانتظار الانبعاث والولادة الجديدة، فعادلت بذلك بين الارض وبين المرأة الام. وعند قراءة القصيدة نرى صورة الام الميتة التي يتهامس رفاق الطفل أنها مدفونة عند جانب التل ويقول له الكبار كذباً انها (تعود بعد غد)، وكأنه يرفض أن يصدق أن الموت نهاية للحياة ، حيث أن أمه ما زالت تأكل التراب وتشرب المطر. فيقول السياب في قصيدته :
كأن طفلاً بات يهذي قبل أن ينام :
بأن أمه ـ التي أفاق منذ عام
فلم يجدها، ثم حين لجّ في السؤال
قالوا له: " بعد غد تعود" –
لا بد ان تعود
وإن تهامس الرفاق إنها هناك
في جانب التل تنام نومة اللحود
تسف من ترابها وتشرب المطر ؛
نرى السياب يرسم في نهاية القصيدة صورة الامل والفجر الجديد المتمثل في طفل صغير حيث يبتسم ويرضع حليب أمه، وهي أرض العراق ـ الام التي توفر العيش لابنائها. ويؤكد أن ارض العراق ستعشب بالمطر. ينشد السياب في انشودة المطر قوله :
وكلّ دمعة من الجياع والعراة
وكلّ قطرة تراق من دم العبيد
فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد
او حلمة توردت على فم الوليد
في عالم الغد الفتيّ ، واهب الحياة !
مطر
مطر
مطر
سيعشب العراق بالمطر .
وتجلت أصالة شاعرية السياب في ما يسمى ( وحدة الخيال) ، فلقد كشف حدسه الشعري المحور الذي تلتقي حوله الرموز، حيث تتمثل وحدة الخيال عند السياب في دوائر الرمز المتكاملة ، حيث نرى رمز الماء في قصيدته النهر والموت من مجموعة ديوان أنشودة المطر ، وحيث يحتسب رمزاً اشعاعياً يبدأ بمحور ذاتي وينتقل إلى مستوى إجتماعي، ذلك أن الماء هو الام أو الرحم ومن ثـم ولادة انبعاث، ولقد استوعب هذا الرمز في صوره الرئيسة ( تموز ، بويب ، المطر) مختلف هواجس السياب من موت الام والحنين إليها حتى الشوق إلى التجدد والبعث ورغبة الفناء في الارض ـ الوطن والارض ـ المرأة الام، بهذه الدائرة الرمزية صيغ أخرى منها جيكور ، جيكور القرية وجيكور الام، جيكور الارض، جيكور الحلم، والحنين إلى جيكور حنين إلى حضن الام. حيث يقول فـي قصيدتـه (النهر والموت):
بويب
بويب
أجراس برج ضاع في قرارة البحر
الماء في الجرار، والغروب في الشجر
وتنضح الجرار أجراساً من المطر
بلّورها يذوب في أنين
" بويب يا بويب !" .
السياب ينادي أمه في فترة مرضه ويدعوها لتشفيه ويرى أن صوتها منفرد عن جوقة الموتى من آبائه الاولين حث يقول في قصيدته نداء الموت التي كتبها في بيروت :
وتدعو من القبر أمي "بنيّ احتضني فيرد الردى في عروقي
فدفءً عظامي بما قد كسوت ذراعيك والصدر، واحم الجراح
جراحي بقلبك أو مقليتك ولا تحرفنّ الخطى عن طريقي"
وبـاق هو الموت، ابقى وأخلد من كلّ ما في الحياة
فيـا قبـرها افتـح ذراعيـك
إني لآت بلا ضجة، دون آه .
ويستجيب السياب لنداء أمه، فيسري من غرفته في احد مستشفيات لندن ليلقاها في تلك المقبرة الثكلى: حيث يقول السياب في قصيدته ( في الليل) :

ولبست ثيابي في الوهم
وسريت: ستلقاني أمي
في تلك المقبرة الثكلى
ستقول: ( أتقتحم الليلا
من دون رفيق
جوعان ؟ اتأكل من زادي
خروب المقبرة الصادي ؟
والماء ستنهله نهلا
من صدر الارض :
الا ترمي
أثوابك ؟ وألبس من كفني ،
لم يبل على مر الزمن
سآخذ دربي في الوهم
وأسير فتلقاني أمي " .

حيث نرى ان للثياب دلالة زمانية ، فحين لقيته أمه طلبت إليه أن يرمي أثوابه الفانية وأن يلبس من أكفانها التي لا تبلى ونرى أن ( للام في هذه اللحظات صورة قد تكون مرفأ الخلاص، او تأكيداً لارتباطه وخلوده في الحضارة التاريخية يحاول به أن يتخلص من إحساسه بوطأة العدم) ، ونرى السياب في قصيدتـه (نسيم من القبر)، يأتيه نسيم من قبر أمه ، ويهمس به ويعاتبه حيث يقول في قصيدته :
نسيم الليل كالآهات من جيكور يأتيني
فيبكيني
بما نفثته أمي فيه من وجد وأشواق
تنفس قبرها المهجور عنها، قبرها الباقي
على الايام يهمس بي: "تراب في شراييني
ودود حيث كان دمي، واعراقي" .
أختار السياب في فترة مرضه أن يذكر أمه في قصائده حتى تخفف عليه آلامه ودفعه إلى ذلك فقدانه لها وهو صغير، وظل يتمه وحاجته إليها يعذبانه ، فهي الامل له في فترة اشتداد مرضه عليه .
إذ نرى أن إختلاف تاريخ وفاة الام تعمّده الشاعر لانه كلما ازدادت ثقافته في القراءات النفسية ادرك اختلاف علماء النفس عن الاثر الكبير الذي تتركه الام ، فهو يزيد او ينقص في تاريخ وفاة أمه حسب ما يرى أنه سوف يشغل ناقداً ما ويتلاعب بعواطف النقاد منه ويعطيهم التاريخ الذي يرى أنه أكثر تاثيراً في نفوسهم حسب أحدث نظريات علم النفس ولهذا فإنه جعل وفاة أمه قضية تسويقية وإلا فمن منا من لم تمت أمه او ستموت .

__________________
[center][center]







شكرا لمن أهداني هذين التوقيعين
د.جاسم العراقي غير متواجد حالياً   رد باقتباس
قديم 03-19-2008   #4
~¤¤~ الإحساس المرهف ~¤¤~
 
صورة عضوية عشتروت
 
تاريخ الانضمام: May 2006
محل السكن: جنوب لبنان
المشاركات: 17,184

دكتور جاسم العراقي
موضوع ثري وقيم بما جاء فيه من معلومات وثقافة وأدب
بارك الله بك أستاذي العزيز مع جزيل الشكر لاثراء مكتبة عاشق لبنان بمواضيعك المميزة
دمت ذخرا لنا وللمنتدى ولكل طالب علم
مودتي واحترامي
تم التثبيت من قبلي حتى تاريخ 22\3\2008
__________________



شكرا من كل قلبي على البطاقة الرائعة
عشتروت متواجد حالياً   رد باقتباس
قديم 03-19-2008   #5
مشرفة المنتدى الادبي
 
صورة عضوية الربيع
 
تاريخ الانضمام: Feb 2007
المشاركات: 3,292

شكلت المرأة في حياة السياب اهمية كبيرة واضحة في معظم قصائده

فكانت هي الام التي فقدها منذ صباه ونعومة اظفاره ورحلت الى مثواها الاخير

فظل يناجيها في حله وترحاله حتى سني عمره الاخيرة اذ يخاطبها في قصيدة

(الباب تقرعه الرياح).

الباب تقرعه الرياح لعل روحا منك زار

هذا الغريب... هو ابنك السهران يحرجه الحنين

اماه... ليتك ترجعينا

دكتور جاسم

كل الشكر والامتنان على موضوعك الشيق


والذي يحمل بين حروفه الفوائد


مجهود رائع قيم يعافيك ربي..
__________________
الربيع غير متواجد حالياً   رد باقتباس
رد

Bookmarks



مستخدمين موجودين حالياً يشاهدون الموضوع: 1 (0 أعضاء و1 ضيوف)
 
أدوات الموضوع
أنماط العرض

قواعد المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is تعمل
رموز لغة HTML لا تعمل
Trackbacks are تعمل
Pingbacks are تعمل
Refbacks are تعمل


جميع الأوقات بتوقيت السعودية. الساعة الآن » [ 03:42 PM ] .


Powered by vBulletin
حقوق الطبع والنشر محفوظة عاشق لبنان 2003-2008

Search Engine Optimization by vBSEO 3.1.0

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54