وجه مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني، امس رسالة الصيام في شهر رمضان المبارك وسأل فيها الله ان يوفق حكماء البلاد وكل الساعين المخلصين، للنجاح في سعيهم الى خلاص لبنان وشعبه ونجاته مما يدبر له في الخفاء.
وفي ما يلي الرسالة:
الحمد لله الذي فرض الصيام علينا كما فرضه على الأمم التي من قبلنا، فقال في القرآن الكريم: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، وشرع لنا الصوم في شهر رمضان من كل عام، وأنزل فيه القرآن هدى للناس فقال في الكريم: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان * فمن شهد منكم الشهر فليصمه * ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر * يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر * ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون، والصلاة والسلام على معلم الناس الخير، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن عمل بشريعته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد أيها الإخوة المؤمنون: فلقد عاد إلينا شهر رمضان هذا العام وقدر لنا أن نعود معه، فكل عام وأنتم بخير، وهكذا شأن الدنيا في كل حال، ففي كل صباح يذهب ليل ويأتي نهار، ويغيب قمر وتشرق شمس، وتمضي الساعات والأيام والشهور والأعوام، ويمضي معها عمر الإنسان، ويذهب جيل وتأتي أجيال، والغنيمة هي في اغتنام الأوقات، والتزود فيها الأعمال الصالحات، وهجر الذنوب والمعاصي والآثام، قبل انقضاء الآجال.
وكان سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقبل شهر رمضان خطب الناس، فقال: يا أيها الناس، قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر (هي ليلة القدر)، شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد في رزق المؤمن فيه، من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء، قالوا: يا رسول الله، ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة، أو على شربة ماء، أو مذقة لبن، وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، من خفف عن مملوكه فيه (أي خادمه) غفر الله له وأعتقه من النار، واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غناء بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما الخصلتان اللتان لا غناء بكم عنهما فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار، ومن سقى صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة.
غاية الصوم
واضاف: واعلموا، أيها الإخوة المؤمنون، أن لكل أمر غاية وحكمة، وغاية صوم شهر رمضان المبارك هي تحقيق التقوى في حياة الصائم، والتقوى كلمة جامعة لخصال الخير كلها، ومعنى التقوى بكلمة موجزة وقاية النفس مما يضرها في الدنيا والآخرة، طاعة لله، وابتغاء مرضاته، حتى يخالط النفس شعور غامر بمحبة الله والناس، والحرص على نيل رضاه بالإحسان إلى الناس بكل وسائل الإحسان، ومعنى التقوى بكلمة أخرى أن لا يراك الله حيث نهاك، وألا يفتقدك حيث أمرك، يعني أن تكون أيها الإنسان في طاعة الله دائما، وفي حالاتك كلها، في كل قول وعمل، وسر وعلن، مع تواضع ورقة لله ومع الناس، ومع الخوف والرجاء من الله، الخوف على عملك ألا يتقبل لشائبة في خلوصه لله، وفي أدائه حق الأداء، والرجاء بقبول الله له ورضاه عنك، والتقوى بهذا المعنى هي غاية كل إنسان سوي كامل، ولذلك بشر الله المتقين في القرآن الكريم فقال: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، وقال أيضا: إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
وأما حكم الصوم، أيها الأحبة، فكثيرة جدا، وكلها تعزز مشاعر التقوى في عقل الصائم وقلبه ومشاعره وسلوكه، ومنها أن الصيام ليس فقط امتناعا عن الطعام والشراب والشهوات في نهار رمضان، بل هو أيضا امتناع عن المعاصي والسيئات والمفاسد التي حرمها الله في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
واعلم أيها الصائم، أنه لا يتم تقربك إلى الله تعالى بترك الطعام والشراب والشهوات في نهار رمضان إلا بتقربك إليه بترك ما حرمه عليك من الكذب والخيانة والغيبة والنميمة والحسد والبغض والترفع والتكبر والظلم وأكل الحقوق والعدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وفعل الخيرات والتخلق بفضائل الأخلاق، ولهذا قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس الصيام من الطعام والشراب، إنما الصيام من اللغو والرفث، ولذلك قال بعض الصالحين: أهون الصيام ترك الطعام والشراب.
وتابع: ولما كانت الغاية المادية من الصوم هي الامتناع عن الطعام والشراب والشهوات في نهار رمضان، والغاية المعنوية هي الامتناع عن المخالفات والأخلاق السيئة والمعاصي والآثام، قال الصحابي الجليل جابر بن عبد الله رضي الله عنه: إذا صمت، فليصم سمعك وبصرك عن المحارم، ولسانك عن الكذب، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء، ولهذا المعنى قال نبينا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر. وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين وذلك دين القيمة.
افضل العبادات
ولذلك كان الصيام، أيها الأحبة، من أفضل العبادات وأجلها عند الله تعالى، وقد جعله الله تعالى الركن الرابع من أركان الإسلام، وقد أخبرنا الله في القرآن الكريم أنه لا تستغني عن الصيام أمة من الأمم، لما فيه من تهذيب الأخلاق، وتطهير النفوس، وحملها على الصبر، ولذلك فرضه الله تعالى في رسالاته على جميع الأمم، وقال لنا في القرآن الكريم: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، وقال أيضا: وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون، وقال بعد ما ذكر المسارعين إلى الخيرات من الرجال والنساء في القرآن الكريم: والصائمين والصائمات * والحافظين فروجهم والحافظات * والذاكرين الله والذاكرات * أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما.
ولما جعل الله الصوم وسيلة لإعداد النفس الإنسانية بالتربية والتعويد لتقوى الله وطاعته ووقايتها مما يضرها في الدنيا والآخرة، لذلك جعل الله ثواب الصائم الذي حقق حكمة الله في صومه بالتقوى، غفران ما تقدم من ذنبه، وبذلك أخبرنا سيدنا ونبينا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، وقال صلى الله عليه وسلم: من قام رمضان إيمانا واحتسابا (أي بصلاة قيام الليل) خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
وقال: ولكن لهذا الغفران بالصيام شروط، بأن يكون صومه خالصا لله، ومن دون مفاخرة أو رياء، وألا يكون صياما عن الطعام والشراب فقط، بل وعن المخالفات والمعاصي والسيئات وسوء الأخلاق، ولهذا المعنى قال سيدنا وشفيعنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصيام جنة (أي وقاية للنفس من المعاصي والآثام)، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث (أي فلا يتلفظ بألفاظ بذيئة أو نابية)، ولا يجهل، ولا يصخب، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم (أي لرائحة فم الصائم) أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه، ولهذا المعنى قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. ولا شك أن ذلك كله لا يكون إلا بتربية النفس على الفضائل ووقايتها من الرذائل، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصوم نصف الصبر، والصبر ثوابه الجنة.
فاغتنموا عباد الله فرصة هذا الشهر العظيم، الذي يعدكم بالصيام لتبلغوا درجات المتقين، بتربية نفوسكم على فضائل الأعمال، ووقايتها من الشرور والآثام، والمعاصي والمخالفات، وبإقبالكم على الطاعات وفعل الخيرات، والصلاة وقيام الليل وتلاوة القرآن، وقد مهد الله لكم الطريق، فعزل عنكم بالصوم عزلا كاملا وساوس شياطين الإنس والجن بقول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد كل ليلة: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار في كل ليلة.
وختم المفتي قباني رسالته: وفقنا الله وإياكم، أيها المؤمنون، لصيام شهر رمضان حق الصيام، وقيام ليله حق القيام، وتلاوة القرآن الكريم كتاب الله العظيم، وتدبر آياته وفهم معانيه، والعمل بما فيه، ولنربي أولادنا على طاعة الله في هذا الشهر الفضيل، لنكون وإياهم على ذلك سائر أيام السنة وفي حياتنا كلها، فأبناؤنا من رعيتنا، وسيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا * وقودها الناس والحجارة * عليها ملائكة غلاظ شداد * لا يعصون الله ما أمرهم * ويفعلون ما يؤمرون.
أيها الإخوة المؤمنون: في بداية شهر رمضان الذي أنزل الله فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، نسأل الله تعالى أن يوفق حكماء البلاد وكل الساعين المخلصين للنجاح في سعيهم الى خلاص لبنان وشعبه، ونجاته مما يدبر له في الخفاء، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وكل عام وأنتم بخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تحياتي
وليـــــــــد