عرض المشاركة وحيدة
قديم 04-24-2008   #4
عشتروت لبنان
~¤¤~ الإحساس المرهف ~¤¤~
 
صورة عضوية عشتروت لبنان
 
تاريخ الانضمام: May 2006
محل السكن: جنوب لبنان
المشاركات: 19,843
التحليل :
سيحلل البحث نص " عن إنسان " من خلال افتراض أن مفهوم الإنسان يحتمل ما يلي:
1- التميز الذاتي، و أنه من جنس عالٍ.
2- " النفس " و نعني بها : تلك الصورة المعقولة المساوية للصورة الموجودة و تقترب أوصافها من الذاتية.
3- " العقل " : و هو اسم مشترك لمعان عدة. و يطلق على صحة الفطرة الأولى في الإنسان.
و سندرس الثلاثة منفصلين تارة، و مجتمعين غالبا.
و البداية مع محمود درويش و هو يصف الإنسان اللاجئ الفلسطيني فيقول:
وضعوا على فمه السلاسلْ
ربطوا يديه بصخرة الموتى،
وقالوا: أنت قاتلْ
و تلك الأوصاف الذاتية لإنسان محمود درويش، و كأنك تطلب منه التحديد للتمييز و معرفة شيء لأجل شيء آخر. فأنت الآن تسأل : من هو الذي ربطوا يديه ينتظر الموت و على فمه السلاسل و اتهموه بالقتل..؟
و أين العلو في جنس إنسان تلك صفته : مقيد و ينتظر الموت و متهم!
و تلك هي القصة المحكية..
***
أما صفة العقل فتأتي لما يكسبه الإنسان بالتجارب من الأحكام الكلية فيكون خطاب العقل عند درويش بقوله:
أخذوا طعامَهُ، والملابسَ، والبيارقْ
ورموه في زنزانة الموتى،

وقالوا : أنت سارقْ!
إنها معان مجتمعه في الذهن تكون مقدمات تستنبط بها المعنى، و خطاب العقل هو خطاب لتقديم معنى آخر. إنه هيئة يصورها محمود درويش للإنسان اللاجئ تصويرا دقيقا .
و ما الذي يدل عليه العقل ؟
أولا : البرهان وفرق بين البرهان و العلم فقول الشاعر:
أخذوا طعامَهُ، والملابسَ، والبيارقْ
ورموه في زنزانة الموتى،


و قوله:
طردوه من كل المرافئْ
أخذوا حبيبته الصغيرة،
فيه تصورات حاصلة للنفس بالفطرة: من طعام، و ملابس، و بيارق، و مرافئ، و الحبيبته الصغيرة.
وثانيا : العلم، و هو ما حصل بالاكتساب.
فهذا الإنسان الذي حدث له ما حدث اكتسب صفتين ليستا له هما :
( أنه سارقْ! )
الآن دور العقل النظري الذي يقبل ماهيات الأمور الكلية من جهة ما هي كلية.
فكيف هو سارق، وهو مظلوم، و كيف هو لاجئ و هو صاحب الأرض المطرود ؟
تلك هي القصة المحكية شعرا..
ثم يأتي دور العقل العملي الذي هو مبدأ لتحريك القوة إلى ما يختار من الجزيئات من أجل غاية معلومة. و قد اختار لنا الشاعر بعقله العملي ليستوعب ما جرى قوله :
يا دامي العينين، والكفين!
إن الليل زائلْ
قد تتقبل قوة النفس ماهيات الأشياء المجردة عن المواد ومن ذلك العقل بالملكة وهو استكمال هذه القوة حتى تصير قوة قريبة من الفعل. فإن العقل لا يقبل ما جرى، و الشاعر بعقله و نفسه التي تحكي من عقله لا يقبل ما جرى. انظر إلى قوله:
لا غرفةُ التوقيف باقيةٌ
ولا زَرَدُ السلاسلْ!
إنه استكمال النفس في صورة ما أو صورة معقولة حتى متى شاء عقل الشاعر أن يحضرها أحضرها بالفعل، ومن ذلك العقل المستفاد. وهو ماهية مجردة عن المادة مرتسمة في النفس على سبيل الحصول من شيء خارج عن العقل. فلا طاقة للشاعر أن يحتمل ما جرى : فصاحب الأرض مطرود. و مسروق . و هو الآن اللاجئ، و هو السارق!
و استجلب عقل الشاعر الكلي عقل الكل المعروف بقصة ( نيرون - روما ) و استجلبت نفس الشاعر الكلية نفس الكل بقصة ( نيرون – روما ). فالعقل الكلي هو المعنى المعقول المقول على قصص كثيرين مختلفين بالعدد من العقول التي لأشخاص الناس فلا وجود في القوام بل في التصور. و نيرون من هؤلاء الذين يضربوا مثلا ..
و عقل الكل يقال لمعنيين لأن الكل يقال لمعنيين: أحدهما العالم عموما ، والثاني: الجرم المفتعل من الإنسان للإنسان.
إنه جرم الكل ( الإنسان ) للكل ( الإنسان )، ولحركته حركة الكل لان الكل تحت حركته فعقل الكل إما الكل فيه باعتبار المعنى الأول. و هذا نفهمه من شرح اسم ( نيرون / البطل ) الذي فيه جملة الذوات الإنسانية الفخورة بإنجازها، المجردة عن المادة من جميع الجهات التي لا تتحرك بالذات – فقط - ولا تتحرك إلا بالفعل. أما العقل الفعلي في النفس الإنسانية فهو الجملة التي هي مبادئ الكل بعد المبدأ الأول.
والمبدأ الأول هو مبدع الكل أي: الشاعر – هنا - و أما الكل فهو باعتبار المعنى الثاني :العقل الذي هو جوهر مجرد عن المادة من كل الجهات وهو المحرك بحركة الكل على سبيل التشويق.. و وجوده أول وجود مستفاد عن الموجود الأول و هو ( الإنسان ).
تأكد من تصور الشاعر لما يجري بإعادة قراءة مقطعه القادم:
أخذوا طعامَهُ، والملابسَ، والبيارقْ
ورموه في زنزانة الموتى،
وقالوا : أنت سارقْ!
طردوه من كل المرافئْ
أخذوا حبيبته الصغيرة،
ثم قالوا: أنت لاجئْ!
ومهما عرفت فأهم ما عرفت أن الشيء الواحد لا يكون له إلا واحدا، وأنه لا يحتمل التطويل لأن العقل لا يدرك معنى التطويل فيه. و هو سر الإيجاز في نص " عن إنسان " !
فحد العقل الفعال أنه جوهر صوري لماهية مجردة في ذاتها لا بتجريد غيرها لها عن المادة وعن عوائق المادة، بل بماهية كلية موجودة فأما من جهة ما هو فعال فإنه جوهر بالصفة المذكورة من شأنه أن يخرج العقل من القوة إلى الفعل بإشرافه عليه وليس المراد بالجوهر ذاك المتحيز ( فالشاعر لا يتحيز لابن بلده و وطنه فقط ) بل هو قائم بنفسه في موضوع صوري متكامل . و هو اسم مشترك يقع على معنى يشترك فيه الإنسان في فلسطين مع الإنسان في كل مكان.. لكنه مع تجربة الشاعر و أبناء وطنه بات حقيقية لا ضربا من التصوير فقط. منه يقول :
وحبوبُ سنبلةٍ تموت
ستملأُ الوادي سنابلْ... !
فلا تبتئس أيها اللاجئ من موتك لأنك كالسنبلة التي و إن ماتت فحبوبها ستملأ الوادي – بعد موتها – سنابل من الحبوب التي تخزنها في جوفها. و ذاك هو اللاجئ الفلسطيني الذي يخزن ذاكرة ستعيد له أرضه و وطنه. و لكي يصبح اللاجئ رمزا لثقافة تحكي قصة الفلسطيني المطرود من أرضه و وطنه. ثم ليصبح الإنسان اللاجئ الفلسطيني رمزا لثقافة العودة و الحرص على استعادة الحق المسلوب.

عماد علي سليم أحمد الخطيب

أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية و آدابها
جامعة البلقاء التطبيقية – الأردن
عشتروت لبنان متصل الآن   رد باقتباس