عرض المشاركة وحيدة
قديم 04-22-2008   #1
newgogogo
«©»عاشق جديد«©»
 
تاريخ الانضمام: Apr 2008
المشاركات: 2
مقطع من الرواية الرائعة "قطعة المجنون" لكاتبها محمد صالح غويلة mohamed salah ghouil

تمتد ذاكرة الحلم بمشارف الحنايا المتألقة بالأفق الصافي ليتناثر الشعاع على وريقات الكتاب وترددت أصوات الصدى مع الريح التي هبت لحظتها بالمكان
« عش حياتك و كأنك تعيش أبدا...كظلال الحنايا التي ظلت و ستظل من بعدك»
شرد في المسالك التي تمتد إلى ما لا نهاية و أصوات خرير المياه تنبع بذاكرتها دون ان تنسى أنها الحلم العظيم الذي وارته الإرادة في حضارة دوّن تاريخها بما قبله. تأمل في الحنايا الصامتة في حدائقها الشاسعة بهيبة وفخر يغنيها عن الكلام وظل كذلك إلى ان هبت الريح مرة أخرى لتنقل أصوات أطياف خفية عالقة تنتثر حول حلمها الابدى
« ما الذي تبحث عنه ...؟ »
استمع الفتى إلى الأصوات المتلاحقة بصداها في أذانه و ظن نفسه يحلم حين رأى الظلال التي كشفت عن نفسها ففرك عينيه عل الحلم ينقضي
« أتنفض الحلم الذي قادك إلى هذه الأراضي لترى حلمنا العظيم»
سمع الصوت بوضوح هذه المرة وتذكر كلمات الظل الكئيب الذي أنبئه ذات يوم بإمكانية العودة إلى الماضي باستراق لحظات من تسلسل الزمن .
« ومن انتم ؟ » قالها الفتى بعد نفض خوفه و استعد للمضي في ثنايا الزمن القديم
فهبت الريح من بعد سكونها و ارتفعت الأصوات متداخلة
« نحن أصحاب الحلم العظيم ...نحن الحضارة التي أحنيت لها رؤوس العالمين بإجلال و تقدير. اسأل الأرض عن انهار العرق التي روتها و أسال صخور الحنايا عن الأجساد التي أدمتها و أسال الأفق عن الأرواح التي أفنتها واسأل الزمن كم من عقود حلمت بها الظلال إلى ان أتمتها ... نحن أسياد التاريخ الذين يحرسون حضارتهم لتظل إلى فناء الدنيا.... »
واقترب حينها ظل إلى مكان الفتى سائلا
« كيف تراها ؟ »
فأجاب الفتى
- كما تراها....
- لكنى لا أرى سوى الصخر الكبير من فوق عربات تقودها الخيل و الأجساد إلا ترى ذلك مثلى
« لا، قالها الفتى للطيف الذي صرخ. تأمل يا فتى بما أتيت من نعم التصور.. »
فتأمل الفتى ليرى ما يراه الطيف الذي قال
- أنا الجسد الذي يجذب الصخر إلى الأعلى ...إني الهاوي ...إني الذي لم يرى الحلم العظيم يتحقق. إني العظيم الذي كتب التاريخ اسمه على الصخور..
فقال الفتى
- تقصد في كتب التاريخ.
فصرخ الطيف
- لا ...كتب على تاريخ الصخور و الأرض و الرياح و ...تأمل ألا ترى اسمي ...تأمل و اقرأ في لغة الصخور و الأرض والرياح لترى اسمي متألقا في كل شبر من صخور الحنايا ....
تأمل الفتى و اقرأ اسم الطيف الممتزج بالصخور و بحيات الرمل و بهمسات الرياح التي هبت بصوت الطيف الأخير
« انك ترى الحلم العظيم و لا أراه. فحدثني عنه يا فتى .. »
فهم الفتى ان الطيف لا يرى الحنايا التي اكتملت بل يرى التاريخ القديم الذي عاصره في زمن الحلم الذي بعد لم يتحقق .
نظر الفتى نحو الحنايا و أخذ يصف للطيف شكل الحلم العظيم . بقى يتحدث ويتحدث من بعد اختفاء الأطياف و أصوات الرياح

« كنا واحد لنصبح اثنين » قالها الرجل الذي مر بالفتى بعد ان لمحه يحدث الأطياف، فاستدار الفتى إليه لكنه تجاهله و انطلق متأملا في المكان مرهفا سمعه إلى همسات الرياح لينطلق مثله متحدث إلى المجهول.
كان الفتى يعرف انه المجنون الذي اعتاد رايته بالبلدة محدثا نفسه حين جلس إلى احد الصخور المتناثرة و اخذ كتابه ليتم الصفحات القليلة الباقية .
« أيحدث المجنون أطياف الحنايا ...؟ » تسأءل الفتى بينه و بين نفسه حين لم يقوى على قراءة حرف واحد من الكتاب بعد ان شغله حديث المجنون الذي كان يتكلم بصوت جوهريا عاقل يصف فيه الحنايا.
كاد الفتى يسال المجنون عن ما يفعله لكنه تردد و فتح الكتاب مرة أخرى
« إني اصف الحلم العظيم لبعض الأطياف كما فعلت من قبلي »
رمى الفتى بالكتاب حين أدرك ان المجنون قرأ ما يخفى خلف دواخله و ظل ينظر إليه متمتما بصوت خافت لم يبلغ أذان المجنون
فاستدار المجنون إلى الفتى قائلا
- أنها أحلامي.....
- ان تصبح مجنونا
نظر المجنون إلى الفتى نظرة العقلاء و قال
- ألا ترى السعادة التي أعيش بها يا فتى ؟
و لم يكن الفتى محتاجا ان يبوح بسؤله ليجيب المجنون الذي قال
- أنى مدرك كل شيء من حولي لكن لا احد يصدقني
فقال الفتى في سره " لأنك مجنون "
- بل لأني أدرك الحقيقة التي يخشاها الناس...
صمت الفتى ولم يفكر حينها إلا بعدم التفكير حتى لا يكشف المجنون ما يخفيه فانطلقت ضحكات المجنون
- أتريد إخفاء حلمك عنى ؟ إني أدركه منذ أتيت عبدا إلى "السيد الشمالي"...
صمت المكان لينظر إلى الحنايا الممتدة
تأمل في الحلم العظيم و تأمل في حلمي الغريب و تأمل في حلمك البعيد
فقال الفتى
- أبلغك حلمي ببلوغ الشمال ؟
- بلغني أكثر يا فتى .
- إذا بلقاء "زرقاء العيون". قالها الفتى حين اقتنع بادراك المجنون لأحلامه فرد المجنون
- أكثر يا فتى ..
ولم يدرى الفتى بما الأكثر من حلم لقاء زرقاء العيون حين عاد المجنون ليتحدث إلى الأطياف و لم يهتم بتساؤلات الفتى إلى ان قال بعد لحظات مخاطبا الفتى
- أتعرف ما كان حلمي بسنك .... كنت احلم بالكنوز المدفونة بين صخور الحنايا فاحمل فأسى كل صباح إلى الحنايا و امضي فيها منقبا إلى الليل .
«وهل عثرة على الكنز؟» سأل الفتى بشوق لمعرفة النهاية

« كنت اعثر على قطع تكفى للعيش في هذا العمل لان الأطياف استأنست بى فكانت تطع بطريقي قطعة حين يشتد بى الفقر و يبدأ الحلم بالفتور و أبدء بالتفكير في البحث عن عمل أخر اقتات منه .... إلى ان أغرمت بفتاة كان أبوها من كبار التجار فلبست أحسن ثيابي و قصدت دارها خاطبا فسخر أباها منى قائلا
« ان تأتني بعشرة أكياس كل كيس به ألفا فخذها » فأصبح حلم الزواج بالفتاة هو الحلم الكبير فعدة إلى الحنايا و بحثت لسنة بحالها و لم أجد شيئا. كانت سنة من العذاب و الشوق الذي لم احتمله و لم أجد له حلا غير ترك البلاد. قررت الرحيل ذات ليلة مقمرة فأخذت زادي لأقصد بلاد الله الواسعة ومررت بالحنايا ليلتها مودعا و كنت على وشك الرحيل حين قذفت احد الصخور التي كشفت عن لمعان في ضوء القمر من تحتها. جمعت كل القطع و عدة إلى مأواي أعدها فكانت بالضبة ألف قطعة بعشرة أكياس كما طلب أبو الفتاة . و طبعا قبل أبوا الفتاة بالخطبة و من ثم بالزواج بعد ان أطلعته على السر ليحمل فأسه كل صباح و يسبقني إلى الحنايا و لم يعثر على أي قطعة طيلة سنتين كنت أعيش فيها بسعادة و في ظني ان الحلم دائم إلى ان قصدت الحنايا ذات يوم و صعدت إلى أعلاها لأجد أبوا زوجتى قد بلغ كنزا لا حد لكثرته فتقدمت نحوه لاستكشف الأمر فرفع الفأس و هوا علي بها و هو يصرخ « انه كنزي» كدت اهلك لو لم أحنى رأسي قليل و أراد القدر ان يلقى به من فوق الحنايا و صدى صوته يردد « انه كنزي... » .
جلست بالمكان مصدوما وشاردا وأنا أرددا »ها هو كنزك فهل ينفعك الآن. ؟ « . ردمت الكنز من جديد و طلقت ابنته حين تحولت حياتنا إلى شك و تعاسة فأخذني الجنون إلى عالمه ليخفف عنى ما لقيت من عذاب. و ها أنا الآن كما تراني أكثر سعادة بعالمي الجديد . بعد ان اكتشفت الأسباب التي خفت خلف حلمي القديم .. »
نظر إليه الفتى بشك و قال
- و ما الأسباب التي خفت خلف حلمك ؟
- أسباب إذا تحققت جعلت منى أنبل الناس و أعقلهم.
« و ما علاقة ما ترويه بحلمي ؟ » فكر الفتى بذلك
فنظر إليه المجنون
لان حلمينا سيلتقيان بالنهاية و ان اختلفت المسالك
لا أظن حلمي يلتقي بحلمك ، رد الفتى بإصرار
حلمك لم يكتمل بالأسباب فابحث عن الأسباب لتبلغ حقيقة الحلم .
- عن أي أسباب تتحدث ؟
- عن الأسباب التي خفت لان حلمك كبير بل اكبر من ان تتحمله ذاتك الآن
- و "زرقاء العيون" هل ابلغها ؟
فنظر إليه المجنون بدهشة العقلاء و قال
- أنا لست منجما لأبلغك بما خفي خلف الزمن
و نظر بعد ذلك إلى الفتى نظرة عميقة أثارت ريبته
«يبدوا انك أتيت قبل الوقت... » حدث بها المجنون نفسه وانتهت الكلمات، فعاد إلى عالمه الغريب و مضى إلى الحدائق مغنيا للحياة بسعادة بعد ما لقاه منها. و تذكر الشيخ و هو ينظر إلى المجنون الذي بدا يقفز بين الروابي فأدرك انه لا يفتعل الجنون مثل الشيخ بل يفتعل التعقل.
تذكر كذلك الشاب الذي حلم بالكنز و جلس على الصخر مفكر في كلام المجنون الذي عرف بكل شيء لكنه لم يدرك في ما رآه " زرقاء العيون"....
نظر إلى الأعلى عله يلمح الكنز الذي حدثه عنه لكنه ابتسم مرددا
« و من سيصدق المجنون »
واخذ الكتاب من على الأرض و عاد إلى حروفه بنهم ليتم القراءة لكتاب قبل ا
لغروب.

newgogogo غير متصل   رد باقتباس