|
الأستاذ والمجتمع العربي
يقول امير الشعراء أحمد شوقي: ....كاد المعلم أن يكون رسولا، وبعده قال إبراهيم طوقان: ......كاد المعلم أن يكون قتيلا، بيتان من الشعر بعيدان كل البعد عن بعضهما بعد المشرق عن المغرب بالظاهر والباطن، وجميعنا يعرف أن الشاعر يكتب بما يمليه عليه وجدانه من خواطر وأفكار، لكن الفرق البسيط بين الشاعرين شوقي وطوقان، أن الثاني عمل بمهنة التدريس، أي أنه يكتب بواقعيته هو، وشوقي كان محبا للمدرسين اللذين عاصرهم.
يا ترى من هو الأصدق؟ أم أنهما صادقين؟ أنا أقول الإثنان لم يخترعا ولم يقولا كذبا، وأضيف كلامهما على بعضه وأقول: كاد المعلم أن يكون رسولا قتيلا.
أستدل من قول الرسول عليه السلام قولا مختصرا :" أعظم الجهاد جهاد النفس"، فالمدرس حين يواجه الطلاب، أي عندما ينقل محتويات الكتاب إليهم، يواجه أمامه على الأقل عشرين شخصا، كل حسب عقله، وطريقة فهمه لكلام المدرس. هنا على المدرس أن يواجه نفسه أولا بكيفية التعامل مع هذا الكم الهائل من العقول والأفكار لتلاميذه، بغض النظر عما درسه من علم اجتماع وتدريب تربوي، فهو يبيقى إنسان يصبر ويحتمل ويمل، والطلاب كذلك بشر لا يركزون فقط بفكرة الدرس وإنما على شخصية المدرس وطريقة كلامه، فنفسه البشرية لها ردة الفعل الطبيعية التي لا مفر منها، هنا يأتي دور جهاد النفس.
لا أريد أن أقول أن المدرس شخص معقد، فعلى العكس تماما، فهو إنسان يجمع بين العلم الجامد والتعامل الإنساني المرن، هو الذي يترجم صفحات الكتاب الصامتة إلى علم يتحدث به الأجيال بفخر، هو الذي يشق أرض النظريات الجافة لينبع منها الماء الزلال ليروي به ظمأ جيل يستقبل منه.
وقفت أمامي عبارة "حاسب نفسك قبل أن تحاسب" – من أقوال الرسول كذلك- تنادي هل نستني؟ أقول من يحاسب نفسه على ما قدم وعلى ما سيقدم كل يوم؟ إنه فقط المدرس الجليل القدير، الذي يسأل نفسه ألف مرة قبل أن ينطق بحرف: هل أنا مقصر مع تلاميذي إن لم يقل أبنائي؟ وكيف سأعطيهم مما أعطيت؟ هو الإنسان الوحيد الذي يقف حائرا أمام نفسه وأمانته، إذا شعر أنه مخطأ يصحح نفسه، وإذا شعر أنه لم يخطأ بحث عن الافضل، لماذا؟؟ لأنه يكون وحيدا أمام نفسه وطلابه.
لعل هذا الكلام أوفى شيئا قليلا من فضل المدرس. لنعد إلى الفرق الشاسع بين البيتين السابقين (رسولا، قتيلا)، كل منها قال كلمته بناء على تصورات دفعته لذلك، تصورات من مجتمع واحد. نحن نعلم أن المجتمع العربي مر بفترة ثقافية سوداء؛ إنتشار الجهل في بداية القرن التاسع عشر، إلى الأمية المطلقة إلى غيرها من التوابع، هذه السلبيات أظلت على فترات قصيرة بعدها أن العلم والتعلم وبناء المدارس أشياء من نسج الخيال، بالمقابل وبنفس الفترة، كانت بعض الدول الأوروبية تفرض قانونا تمنع بموجبه ترك المدارس لأي كان حتى ينهي المرحلة الأساسية، ومنها سويسرا التي قضت على الأمية قبل فترة الأربعينيات أو حتى قبلها – إن صحت دقة معلوماتي – والجميع يعلم الفرق بين المستويين في تلك الفترة.
كلمة رسول تدل على إرسال رسالة وبعث شيء جديد في نفوس البشر، وقتيلا تدل على نهاية حياة إنسان، أو فناء شيئا ما، والعلم هو ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات بسمو عقله، فهل من المعقول أن يقتل العلمُ الرسولَ الذي يحمله إلى تابعيه من البشر؟ كلا وألف كلا؛ إن ما يفرضه الواقع اليوم على مهنة التدريس هو سبب قتل نفس المدرس المبدعة، أضف إلى ذلك القوانين الجديدة التي فرضت حديثا ومنها منع المدرس من توبيخ أي طالب، ومن يفعل ذلك يلقى عقابه، هذا القانون وضع المدرس في قفص وهمي وهو " عليك ان تنقل المعلمومة فقط ولا تهتم بأمر الطلاب"، لا يحق لك أن تسأل عمن كان منتبها ومن كان لاهيا، ونحن نزيد الطين بلة بإعجابنا بمثل هذه القوانين، ولا أريد ان اتطرق هنا إلى من يضع هذه القوانين ومن يضع مناهجنا اصلا.
إحترام المدرس يأتي من احترامنا للعلم، وإحترام المدرس والعلم يجب أن يبدأ من البيت والأسرة، وهذا الإحترام والتقدير لا يأتي من فراغ، وإنما يأتي بعد أن نترك النظرة المادية البحتة للحياة، بعد نترك نظرة الإعجاب بأصحاب الملايين والشهرة والنجوم، بعد أن نعرف كيف يرضى الإنسان عما حققه من خير لنفسه ولمجتمعه، وهذا لن يأتي إلا بعد أن نعرف سر القناعة، وهذا السر ليس معقدا كثيرا، وهو متى نستطيع أن نرتب حاجاتنا بما تعود به علينا بسمو العلم والفكر والأخلاق، ومتى يصبح همنا الوحيد هو حب الخير للناس.
فيا أخي المدرس أنت أول من يقودنا إلى هذا الدرب المنير، أنت مناط هذا التغيير، ولتكن أول من يغض طرفه وبصره عن سلبيات هذا الواقع، وتنظر إلى مهنتك الإنسانية على أنها أسمى ما بالوجود، فالعلم لا يحده كتاب ولا سلبية منطق هذا المجتمع، ولتكن النبضات التي تدفع الدم بعروق هذا الواقع حتى تزيل السراب عن عيوننا.
" وفوق كل ذي علم عليم" صدق الله العظيم.
أخوكم ماهر سليمان.
|