|
صورة ألام في شعر السياب
بقلم الدكتور العراقي
إنّ الام هي الرمز الانساني للقيم العالية، فهي المعين الذي تتفجر من احضانه الاجيال، وهي الطاقة التي تمدّ الحياة بعناصر الديمومة والبقاء ، ولولاها لم تتكون الأسرة، ولم تبق المثل والاخلاق السامية، ولولاها لفقدت المجتمعات عناصرها الضرورية في التكون والتكوين ، ولآل الوضع إلى حال يتعذر علينا تصوره. فهي ينبوع الحب النزيه المجرد من شوائب الانانية ، والدوافع النفعية، وهي التضحية والايثار، والحنان النقيّ، إذ تغرس في ابنائها كلّ السجايا الراقية، وتواصل أيامها ولياليها كي تمنحهم الكيان بعون من الله وتوفيقه، لذلك نرى الشعراء خصوها بثنائهم. إن غياب المرأة بالملموس المعيش في حياة الشعراء أكثر إثارة لخلق الشاعر الناجح من حضورها – بالملموس المعيش – فالحرمان من المرأة من دواعي الاستثارة لدى الشاعر لكي يعبّر عن مفقوده .
لقد حظيت صورة المرأة( الام) بإهتمام كبير من لدن الشعراء منذ عصر ما قبل الاسلام وامتداداً إلى صدر الاسلام وما تلاه من العصور الاسلامية التالية . ومن صور ذلك الاهتمام أنهم حينما عمدوا إلى رسم صورة المرأة الحبيبة القريبة إلى نفوسهم واذواقهم ، حاولوا تشبيهها بالظبية المطفل أو المهاة . وغيرها من الحيوانات الاخرى الحاملة لصفات الامومة ، ومن ذلك قول( طرفة بن العبد) متغزلاً :
ولها كشحا مهاة مطفل
تفتري بالرّمل أفنان الزهر
نرى إن الصورة المثالية للمرأة عند الشعراء، هي الصورة المتصلة بمعاني الخصب والمرتبطة جوهرياً بوظيفتها الامومية، ومن خلال ذلك يمكـننا القول إن المرأة الام او صورتها الامومية كانت راسخة في خيال الشعراء منذ القدم، لما تحمله من صفات الخصب والانبعاث فبحثوا عنها في نصوصهم وبرزوها في صورهم .
إنّ الشاعر بدر شاكر السياب يعرض لنا في شعره قضية قد أثارها وعمق مأساتها وكأنما اراد أن يجعلها قضية تسويقية ليستجلب عطف كلّ من حوله وشفقتهم ومن بينهم النقاد. إذ كان الطفل شديد التعلق بأمه فلما خطفها الموت ، اثر ذلك فيه تأثيراً كبيراً، وحين كان يسأل عنها كانـوا يقولـون لـه "ستعود بعد غد" . وراح الطفل الذي فقد الحضن الدافىء يبحث عنه ولم يكن عسيراً عليه أن يجده في شخص جدته لابيه ( أمينة) . حيث يقول السياب في قصيدته إنشودة المطر :
كأن طفلاً بات يهذي قبل ان ينام
بأن أمه – التي أفاق منذ عام
فلم يجدها ، ثم حين لجّ في السؤال
قالوا له :" بعد غد تعود "
لابد أن تعود
وأن تهامس الرفاق أنها هناك
في جانب التلّ تنام نومة اللحّود
تسفّ من ترابها وتشرب المطر ، .
نلمس أنّ صورة المرأة الام من الصور التي حرص الشعراء على استحضارها في نصوصهم الغزلية او غيرها، تأكيداً لتميزها لديهم، فهم غالباً ما يكنون المرأة التي يتغزلون بها بإلفاظ الامومة . ولا بد من الاشارة إلى أنّ وصف المرأة او ذكرها في الشعر إن كانت رمزاً او حقيقة يعني التمرد من قبل الشاعر على واقعه بصوره واشكاله كافة، ولا شك في إنّ النتيجة التي يطرح بها الشاعر ذلك العاشق المتمسك بمعشوقته وحبيبته وأمه هو دليل على وعيه الفني وطموحه ، فذكر الام والحبيبة في قصائد الشاعر تعبير عن الحنين الجارف الذي يعيشه مع ذاته.
كان بدر يعاني منذ طفولته من مرض ( المرأة) إذ أنّ المرأة المثالية عند بدر هي الام، وأمه بالذات، فلم تتسع حياة بدر وأمه لان يكبر وتكبر، فلم تبق منها غير صورة الامومة الرمزية تحيط بها هالة مقدسة تقابلها عند الشاعر صور الحبيبات.
فالشاعر بالغ في عرض قضية وفاة والدته ومدى تعلقه بها وحرمانه منها حيث نرى من خلال الصور الشعرية التي رسخها لتلك القضية أنه انسان خيالي يبحث عن الصور المثالية، واعتقد أنّ تلك القضية التي طرحها الشاعر في اكثر قصائده تستحق المناقشة والكتابة عنها من خلال ما جاء في الكتب الادبية والنقدية وكتب علم النفس . والشاعر ظل يؤكد قضية حرمانه من أمه وأنه لن يجد من يعوضه ذلك الحب والحنان فقضى حياته يبحث عن إمرأة مثالية تعوضه عن حضن أمه . حيث نسمعه يقول: " فقدت أمي وما زلت طفلاً صغيراً فنشـأت محروماً من عطف المرأة وحنانها، وكانت حياتي وما تزال كلها بحثاً عمن تسد هذا الفراغ، وكان عمري انتظاراً للمرأة المنشودة، وكان حلمي في الحياة أن يكون لي بيت أجد فيه الراحة والطمأنينة " . كما كان يفتقر الى علاقة راسخة مع ابيه حيث يقول:
أبي منه جردتني النساء
وأمي طـواها الردى المعجل.
ولو نرجع إلى كتب علم النفس ونتعرف إلى مفهوم الحرمان ونرى هل بالغ السياب في ذلك على الرغم أن طفولته تشبعت بحنان جدته وكلّ من حوله من الاقارب والاصدقاء بعد وفاة أمه ( كريمة) .
كما تشير نتائج البحوث والدراسات إن فقدان الوالدين اللذين هما المصدر الاول للحنان والعطف والرعاية للطفل وحرمانه من العيش معهما يترتب عليه آثار تربوية ونفسية وصحية تظهر في سمات شخصيات الاطفال فيكابدون من مشاعر الخوف وانعدام الامن النفسي. واتفق أكثر الباحثين على أنّ الضرر الناتج عن الحرمان من الام يكون ما بين الثالثة والخامسة من عمر الطفل ،إلا أنها تكون أقل خطراً مما لو حدثت قبل ذلك، وخلال هذه الفترة لا يعيش الاطفال في الحاضر تماماً وبالتالي يستطيعون إلى حد ما تصور الوقت الذي ستعود فيه الام، وذلك مما يستحيل بالنسبة لمعظم الاطفال الذين تقل سنهم عن الثالثة، واوضحت احدى الدراسات أنه عند الحرمان من الام يتأخر دائماً نمو الطفل الجسمي والعقلي والاجتماعي ، حيث نرى هناك بعض العوامل التي تؤثر في هذا الحرمان كالسن الذي يفقد فيه الطفل رعاية أمه، وطول مدة الحرمان ومدى انعدام رعاية الام، ومن الآثار المباشرة ايّ القريبة المدى للحرمان من الام هو الالحاح المتزايد في طلب الام او بديلتها، ونرى ان الشاعر كان يلح في السؤال عن أمه وكل من حوله يجيبه أنها (ستعود بعد غد)، وكان السياب يسأل عن قبرها المدفون عند جانب التل. وبذلك يؤكد علماء النفس أن للطفل قدرة على التذكر الآلي ووضوح التذكر الآلي عند الاطفال قوي جداً، ونلمس هذا الشيء عند الشاعر، إذ نشعر من خلال قراءة حياته وأشعاره أن له قدرة وهو طفل صغير على استرجاع ما حدث له، وحتى عندما كبر الطفل واصبح شاعراً ظل يتذكر ما حدث له في سنوات الطفولة من حرمان لازمه حتى نهاية عمره بعد فقدان أمه وزواج أبيه وموت جدته أمينة، وفي كلّ الدول التي ذهب اليها وحتى في فترة حياته في المدينة ظل ذلك الالم يعيش في داخله وظلت ذكريات الطفولة والحنين إلى الماضي متأصلة في اعماق ذاته .
وقد أشارت إحدى بحوث مجلة موسوعة الام والطفل عندما يكون الطفـل بين الثالثة والخامسة من عمره، قد يصبح الاب مركزاً لمجموعة من الصراعات العاطفية وهو ما يسمى بـ ( عقدة اوديب) عند الولد و( عقدة اليكترا) عند البنت. التي تؤثر في الوالدين معاً، وأهم ما يميز هذه الازمات العاطفية هي أنّ الطفل الذكر يتعلق بأمه بشدة ، في حين تتعلق البنت بأبيها، فالطفل الذكر الذي يتعلق بأمه ينظر الى أبيه على أنه منافس له على حب الام وعاطفتها، وشاهدنا على ذلك السياب الذي يكشف لنا في شعره عن مدى تعلقه بأمه لدرجة أنّ لديه اشعاراً تدور حول مناداة بدر لامه وهي في قبرها ، حيث يسهر الليل كله في إنتظار الصوت الاليف ، ولكن الباب ما قرعته غير الريح في الليل العميق فيستجدي صوت الام المتوارية تحت الرغام يأمل لو لم تمت، لملأ صوتها عليه الحياة حيث يصرح في قصيدته ( الباب تقرعه الريح) التي كتبها في لندن في 13/3/1963، وفيها يقول :
هي روح أمي هزها الحبّ العميق ،
حبّ الامومة فهي تبكـــي
" آه يا ولدي البعيد عن الديار !
ويلاه! كيف تعود وحدك، لا دليل ولا رفيق ؟ "
أماه ليتك لم تغيبي خلف سور من حجار
لا باب فيه لكي أدق ولا نوافذ في الجدار !
كيف انطلقت على طريق لايعود السائرون
من ظلمة صفراء فيه كأنها غسق البحار ؟
كيف انطلقت بلا وداع فالصغار يولولون ،
يتراكضون على الطريق ويفزعون فيرجعون
ويسائلون الليل عنك وهم لعودك في انتظار ؟
الباب تقرعه الرياح لعلّ روحاً منك زار
هذا الغريب !! هو ابنك السهران يحرقه الحنين
أماه ليتك ترجعين .
شبحاً وكيف أخاف منه وما امحّت رغم السنين
قسمات وجهك من خيالي ؟
اين أنت ؟ أتسمعين
صرخات قلبي وهو يذبحه الحنين الى العراق ؟
الباب تقرعه الرياح تهبّ من أبد الفراق .
نرى هناك نظريات تتحدث عن تعلق الطفل بأمه ونظريات تتحدث عـن تكون شخصية الطفل في سنوات الطفولة المبكرة . حيث تقر نظرية التحليل النفسي (أن التعلق الشخصي بين الطفل وأمه يدفع الام لان تزوده بحاجاته الجسمية في السنة الاولى من حياة الطفل حيث يبلغ أقصاه في السنة الثانية التي نجد أنّ الطفل خلالها تبدو عليه أمارات القلق حين تتركه الام إلى حين، وهو ليس بالضرورة حالة مرضية، وأنما يشير في أغلب الظن إلى أنّ الطفل يرى أنّ لامه أهمية كبرى بالنسبة لمصلحته الامر الذي يجعله يضطرب لغيابها). ولذلك كان من المتوقع أن يصبح الانفصال عن الام أمراً في غاية الاحباط بالنسبة للطفل(. أما نظرية التعلم الاجتماعي فتقر (بأن الطفل يصبح مرتبطاً بالام لانها هي التي ترعاه وتشبع حاجاته وبذلك تصبح حدثاً معززاً في حياته فيتعلم الطفل حبها) ، وان الطفل إذا أبعدت أمه فجأة كأن يدخل إلى مستشفى أو الى مؤسسة فأنه يواجه بمهمات يشعر بأنه يتعذر عليه القيام بها، وقد أشارت كثير من الدراسات إلى أن معظم الصغار فيما دون الثانية يضطربون حين ينفصلون عن امهاتهم.
ولو تحدثنا إلى جانب تكوين الشخصية عند الطفل ، نرى فرويد يعتقد أن الخاصية المميزة للشخصية تتكون في الطفولة إستناداً إلى طبيعة التعامل أو التفاعل بين الطفل ووالديه. ويؤكد الفريديون الجدد منهم الفريد أدلر أهمية تاثير الام كأول شخص يتصل به الطفل، اما ( أيرك فروم) فأنه يتفق مع فرويد في أنّ السنوات الخمس الاولى من الحياة مهمة جداً لكنه لا يعتقد أنّ الشخصية تثبت بشكل قاطع في عمر الخامسة، ويرى أنّ الاحداث اللاحقة يمكن أن تكون مؤثرة في الشخصية مثل الاحداث الاولى. إذن تلعب الام دوراً في جعل الطفل يتكيف مع غيره وبذلك تتكون شخصيته ولكن بعد فقدان الام كل من يحيط بالطفل ويتولى رعايته سيؤثر في تكوين شخصيته . ولا بد من الاشارة إلى ان ظواهر نمو الطفل إجتماعياً في الفترة من عمر ثلاث سنوات إلى ست سنوات هو ما نشاهده من تعلق الطفل بالاشخاص الكبار وارتباطه معهم بروح من المودة المتبادلة . كما انه ينجذب من الناحية الاخرى إلى الاطفال الآخرين ممن هم في عمره، ولكنه سرعان ما يحول انتباهه عنهم ليحوم نظره حول الكبار طالباً مساعدتهم ، فهو من الناحية الاجتماعية يبقى معتمداً على الراشدين، على الرغم من الناحية الجسمية لا يستطيع الاستغناء عن أمه. وهناك عوامل اجتماعية تسهم في تحقيق التوافق في الشخصية فإذا لم تتهيأ للطفل بشكل جيد، فأنّ ذلك سيؤدي إلى تكوين شخصية ذات سمات غير متوافقة . وأنّ المرض النفسي صورة للتوافق السيء، وينمو في بيئة غير طبيعية كفقدان أحد الوالدين ، أو التفريق بينهما وحرمان الطفل من الرعاية والحب مما يؤدي إلى سوء التوافق. وحتى لو تحدثنا عن جانب القلق والاضطراب الانفعالي الذي يصيب الطفل ويؤثر في شخصيته وقد يلازمه هذا الامر حتى عندما يكبر نرى إنّ من اهم الاسباب التي تؤدي لحدوث القلق عند الاطفال، هو شعور الطفل بإحتمال موت أحد الوالدين أو الاخوة او شخص يحبه، او الانفصال عن الام.
|
__________________
حبيبتي : قلبي وحبي أمانة الله ِ عندك ِ فأحفظيها
شكرا من القلب لمن أهداني هذين التوقيعين
آخر تحرير بواسطة د.جاسم العراقي : 03-18-2008 الساعة 12:59 PM.
|