كان الأحرى بما سأبثه هنا أن يكون ردا على موضوع أخي Best-1 وهو كذلك غير أني وجدت أن الرد سيطول فارتأيت أن أجعل منه موضوعا مستقلا مع الاشارة الى أنه رد على الموضوع الأصلي للأخ Best-1 ولأني أعشق التاريخ بالمعنى الحرفي للكلمة وأجده فنا لا علما ففيه من المتعة ما يجعل الفرد يعشقه بل ويحس بارتباط وثيق معه
تضمن موضوع Best-1 مجموعة من الاشكاليات كالتساءل عن هوية صانع التاريخ وكيفية ذلك وعن المقياس والمعيار المعمول به للتحقق من مدى صدق هذه الحادثة التاريخية أو تلك
بداية يندرج التاريخ ضمن مجال العلوم الانسانية ويختص بدراسة الانسان في ماضيه وبأثر هذا الماضي فيه فهو يدرس الانسان من خلال مواقف تاريخية كما يدرس المواقف التاريخية من خلال الانسان خاصة وأن ذاكرة هذا الانسان تحتفظ بالوقائع والأحداث والمنجزات التي حققها والتي مضت وولت وبالتالي شكلت موضوع التاريخ . تتميز الحادثة التاريخية / الانسانية بمجموعة من الخصائص والمميزات فهي حادثة اجتماعية ذات معنى ومفردة لا تتكرر وترتبط بمختلف المراحل التي مر منها الانسان عبر تاريخه وبطبيعة التقدم ووتيرته أو التعثر والتقهقر وأسبابه غير أن الاشكالية المطروحة هنــا تتعلق بالكيفية التي ينهجها التاريخ سيرورة وصيرورة أهي حركة متصلة ؟ أم منفصلة ؟ أم تتخللها طفرات وقفزات ؟؟
ان التاريخ واقع انساني حدث في زمن ماض ويلعب دورا اساسيا في فهم الحاضر واستشراف المستقبل لأنه من صنع كائن حي وواع لدى فهو يرتبط بارادة الانسان ودرجة وعيه وتعد الحادثة تاريخية اذا ما تمثل فيها جهد الانسان قصد اراواء حاجاته المختلفة والمتعددة وتعد كذلك ( الحادثة ) اجتماعية لأنها تحدث نتيجة تفاعل الانسان مع الانسان في عملية بناء مصير مشترك فكل حادثة تاريخية لابد من وضعها في سياق تفاعلاتها وارتباطاتها الحيوية من أجل فهمها فهما عميقا كما أن الحادثة التاريخية تتميز بكونها ذات معنى لأن تاريخ الانسان لا يتحدد الا بالأهداف والغايات التي يتصورها أو يسعى الى تحقيقها أي جملة المعاني التي يمنحها لحياته . فالأهرام مثلا اذا جردناها من معناها الانساني ستتجرد من قيمتها التاريخية وتصبح كتلة مادية يمكن أن تُدرَسَ في أبعادها الهندسية أو طبيعة صخورها الجيووجية أو توازنها الميكانيكي أما ما يعطيها بعدها التاريخي فهو المعاني والغايات التي أدت بالانسان الى بناءها وتشييدها .
غير أن الشك يبقى قائما في مصداقية أي حادثة تاريخية طالما أنها أصبحت جزء من الماضي وتقع المسؤولية كل المسؤولية هنا على كاهل وعاتق المؤرخ في الاجتهاد قدر الامكان للوصول الى الحقيقة الا أن هذا يتطلب بعض العناء والجهد فهذا الأخير مدعو لأن يعيش نفس الطريقة التي عاش بها الانسان تاريخه ذلك أن كل ماض كان حاضرا بالنسبة للذين عاشوه . والحادثة التاريخية من حيث هي موضوع المعرفة التاريخية تعتبر حادثة فردية لا تحدث الا مرة واحدة محدودة بزمان ومكان وبشروط ودوافع معينة لا تتكرر . فالثورة الفرنسية على سبيل المثال حصلت مرة واحدة واذا حدثت ثورة اخرى فلن تكون أبدا نسخة طبق الأصل من الثورة الأولى لاختلاف الدوافع والشروط وعنصر الزمن .
يقول ماكس ويبر في هذا الصدد ( ولست أذكر قوله كاملا ) يقول "" ان الحادثة التاريخية هي ما يحدث مرة واحدة باعتبار المعنى الذي جال في نفوس الأفراد حين اختاروا سلوكهم ذاك في سياق تلك الحوادث "" اذن فالحوادث التاريخية حوادث بطلها الانسان ومسرحها الزمن البشري الذي يخضع لدينامية لا متناهية .
اما فيما يتعلق بهوية صانع التاريخ فهو ليس شخصا بمفرده ولا جماعة كاملة ومن الصعب جدا تحديد هوية صانع أي حادثة تاريخية لأن التاريخ هو وعي جماعي وانجاز جماعي قد يتكون من بضعة أفراد وقد يكون قبائل أو ربما شعوب غير أن لي اعتراضا بسيطا على مصطلح "" صانع التاريخ "" فالصانع على وزن الفاعل أي يفعل شيء ما أو أمرا ما ويحضر في هذا الفعل عنصر الوعي والرغبة التامة والارادة للوصول الى مبتغى ما . بيد أن أي حادثة تاريخية لا تقبل عليها قبيلة أو جماعة للحصول على هدف معين بقدر ما تصبو الى احداث تغيير ما بمعنى أنها لا تقصد بما ستفعله صناعة التاريخ لأن عنصر الوعي بأن ما ستقدم عليه سيصبح يوما ما تاريخا يعتبر عنصرا غائبا . كما ان ما نريد معرفته لم يعد له وجود وفضولنا يدفعنا الى معرفة ما كان موجودا باعتباره لم يعد موجودا..
وبالقدر التي تستلزم فيه المعرفة التاريخية حضور الموضوع تستوجب وتستلزم حضور منهج منظم ودقيق وهذان شرطان أساسيان لبناء التاريخ كمعرفة فالوصول الى الغايات يتطلب الوسائل والخطوات الضرورية ولا يتحدد التاريخ الا بالحقيقة التي يكون قادرا على بلورتها بعيدا عن التمثلات الخاطئة أو المزيفة
هكذا نخلص الى أن التاريخ معرفة وليس بحثا أو دراسة فقط حتى لا يقع الخلط بين الغاية والوسائل . وبقي أن نتساءل في الأخير عن القيمة العلمية للمعرفة التاريخية والى أي مدى يمكن اعتبارها معرفة خالية من الميولات الأدبية والأيديولوجيا غير أن الاجابة هنا تعود لتوقع مسؤولية عظمى على عاتق المؤرخ لأنه ساعي بريد بين المتلقي أو الدارس وبين الحوادث التاريخية ومهمة تقصي الحقيقة والبحث عنها مهمته وحري به القيام بها على أكمل وجه للوصول الى حقيقة تاريخية ثابتة وصائبة على الوجه الخاص وللوصول الى حقيقة معرفية بوجه عـــام .
أتمنى أن كون قد ألممت بالموضوع وان كان شاسع النطاق واسع المجال وأخيرا فان ما يجهله الكثيرون أن أبسط الأفعال التي قد يقدم عليها الفرد قد تعتبر في الغد البعيد حادثة تاريخية لها دوافعها وأسبابها..
لدى دوما أوجه نداء للجميع
ان التاريخ يدون ويلتقط لنــا الصور فأحسنوا القول والعمل ليُحسن في الغد النظر اليكم
تحياتي