قدري
صفق الباب خلفه ومضى
وغلفتني الوحدة بأذرعها الحريرية السوداء
وانتصب قدري أمامي , كعملاق خرافي , يحاسبني على مشاعري وكلماتي وتصرفاتي .
غصت في مقعدي . وأحسست أني أغرق في مياه صافية معشوشبة
وتركت نفسي تنساب إلى الأعماق شعور لذيذ بالاستسلام الكامل التام لايقظة بعده , ولا عودة إلى العراك تطفو طحالب الشقاء ونفايات الأحزان وتعوم على السطح , يحيطني المد ويضمني , ثم ينحسرويحمل معه ذرات الألم وفتات الحيرة والضياع .
ولكن كل هذا وهم وسراب
أحاول أن اهرب من قدري , ومازال العملاق منتظرا
مشكلتي أنني ارفضه كواقع , وأتحدى حتميته ولزوميته , وأحاول أن أغير مساره , أو اعكس اتجاهه . أريد أن ارسمه بشكل مختلف , أن اخطط دروبا مبتكرة , عفوية , مذهلة , أن أقول كلمات لم تكتب من قبل ولم تلفظ , أن أحطم القيد واقفز عاليا , أنبهر وأبهر , ولاألتقط أنفاسي إلا لأحلق أعلى وأعلى .
وتتوقف الصورة , وأرتطم بالأرض . لاتتلقاني شباك طرية , بل قسوة المرآة الباردة
وارى نفسي عن قرب , بلا زيف , كما لا أريد أن أكون , في تيه محدد الاتجاه , قائم الزوايا , متفرعاته مربع مقفول , ومنحنياته ممرات موقتة , تفرحني لحظة , ثم ترجعني إلى سبيلي المعلوم
كأني امشي خطوتي قبل أن انقل قدمي وأعيش انفعالي قبل أن يتملكني . كأني اسمع ألفاظي قبل أن انطق بها , وأتذوق شرابي قبل أن تمسه يدي فأشبع وأنا جائعة , وارتوي والظمأ يحرقني .
كأن عالمي وجد من قبل وخبرته أطالع عناوينه كل صباح على صفحات عريضة واختم يومي بسطوره المتلاحمة الدقيقة وأطبق الكتاب وأرصه بصعوبة في الرفوف الحبلى بالمجلدات .
ويفتح الباب ويدخل .
وفي لمحة خاطفة كشريط سينمائي خارق اسمع ماسأقول له واشاهد ماسأفعل .
وينتابني اليأس .
