عرض المشاركة وحيدة
قديم 02-10-2008   #1
(الشاعر الرجيم)
«©»عاشق مميز«©»
 
صورة عضوية (الشاعر الرجيم)
 
تاريخ الانضمام: May 2007
المشاركات: 1,130
سؤال مغامرات سفير عربي باسكاندينافيا

منذ ما يزيد عن ألف سنة , بعث الخليفة العباسي المقتدر بأحمد ابن فضلان سفيراً له إلى بلاد الصقالبة , على رأس بعثة من ثلاثة آلاف عالم , وعامل ومهندس وطبيب وصيدلي , لتحصين مملكة الصقلب (بلغاريا) المسلمة من هجوم الخزر اليهود , وتلقين أهلها مباديء الدين الإسلامي , وعلاج مرضاهم , ومساعدتهم على الخروج من التخلف , شأن البعثات والمساعدات الغربية الحديثة .
وفي طريقه إلى بلغاريا اختطفه جماعة من الفايكنج , سكان اسكندنافيا بإيعاز من قهرمانتهم ليكون العضو الثالث عشر في بعثة لإنقاذ مملكة ( روثغان ) من هجوم ( الفندول)
وقد كتب ابن فضلان رسالة عن هذه الرحلة المهولة , الممتعة , في شكل تقرير دبلوماسي رفعه إلى بلاط المقتدر , بعد نجاته من عدة أهوال , وعودته من أصقاع اسكاندينافيا الباردة المتخلفة إلى مدينة السلام , ( بغداد) عاصمة العالم المتحضر ومركز الإشعاع الفكري والعلمي والأدبي , والفني , آنذاك .
جاء الكاتب الروائي الأمريكي ( مايكل كريشون) فأخرج التقرير وأعاد صياغته بأسلوب روائي عصري مشوق مثير دون تحريف لحرفية الأحداث .
وبمجرد صدوره بعنوان ( أكلة الأموات ) سنة 1976 م أصبح أروج كتاب ووصفته (الديلي تلغراف) اللندنية بأنه " من أروع روايات السنة "
وقد أثار مخطوط ابن فضلان جدالاً حاداً بين علماء الانثروبولوجيا في الجامعات الغربية . وخصوصاً وصفه الدقيق ( للفيندول : سكان الكهوف البحرية بالفيوردات الذين كانوا يهاجمون مملكة الملك (روثغار) التي ذهب ابن فضلان مرغماً مع جماعة من السكندينافيين للدفاع عنها .
وقد كانت دقة ابن فضلان وموضوعيته التي يشهد بها الغرب أنفسهم والتي برزت من خلال كل سطر من سطوره مثار إعجاب جميع من قرأ رسالته . فهو صادق في ملاحظاته وتعليقاته لدرجة القسوة حتى حين يتعلق الأمر بوصف جُبنه وضعفه أمام الأهوال والأخطار التي يرغم إرغاماً على اقتحامها ! استمع إليه وهو يصف شعوره حين علم أن الجماعة التي يرافقها ذاهبة لمفاجأة (الفيندول) من جهة البحر حيث سينزلون إلى الكهوف من فوق " الفيوردات" الشاهقة , مُتدلين بالحبال , وهو يخاف الأماكن المرتفعة خوفاً مَرضياً شديداً :
" كنت منزعجاً من نزول الجرف الشاهق معلقاً بحبل . وكان انزعاجي من الشدة بحيث كنت أفضل عمل أي شيء على وجه الأرض . ولو كان ذلك أكل روث الخزنير , أو أن أفقأ عيني , وحتى الموت نفسه كنت أفضله على النزول معلقاً من ذلك الجرف "

وسأترك , فيما يلي , الكلمة لابن فضلان ليحدثكم بنفسه , من مسافة ألف عام ونيّف , عن إحدى مغامراته مع السكندينافيين سكان الأصقاع الشمالية .

" رست سفينتنا في وقت صلاة الظهر , واستغفرت الله لتخلّفي عن أدائها , ولم أكن أجرؤ على الصلاة أمام الشماليين الذين كانوا يعتقدون أن صلاتي كانت دعاء عليهم , وكانوا يهددوني بالقتل إذا صلّيت على مرأى منهم .
ولبس كل مقاتل دروعَ المعركة التي كانت كالآتي : أولاً : نعال وجوارب عالية من صوف خشن , وفوقها غطاء من الفرو الثقيل الذي يصل إلى الركبة . وفوق ذلك أغطية من الجلد الذي كان عندهم جميعاً سوى شخص واحد هو أنا . وبعد ذلك أخذ كل واحد منهم سيفه وأدخله في حزامه , وكل رجل رفع تُرسه المصنوع من الجلد الأبيض ورمحه , وكل رجل وضع خوذة من الحديد أو الجلد على رأسه , وفي هذا كان الرجال جميعاً متشابهين إلا (بوليويف) الذي كان يحمل سيفه في يده , لأنه كان كبيراً جداً .
ونظر المقاتلون إلى قصر (روثغار) العظيم , وأخذوا يظهرون إعجابهم بسقفه اللامع ومهارة الصنعة فيه , واتفقوا على أنه لامثيل له في العالم , بسواريه السامقة ونقوشه الغنية , ومع ذلك لم يكن في كلامهم احترام له . ونزلنا من السفينة , وقصدنا القصر على طريق مبلطة بالحجارة , وأحدث صليل السيوف وقعقعة السلاسل ضوضاء عالية , وبعد صعودنا مسافة قصيرة رأينا على جانب الطريق رأس ثور فوق عصا , وكان حديث العهد بالذبح .
وتنهد جميع الشماليين , وعبست وجوههم لذلك المشهد , رغم أنه كان غير ذي معنى بالنسبة لي , فقد كنت تعودت على عاداتهم بقتل حيوان لأتفه قلق أو استفزاز ! ولكن بالنسبة لي رأس الثور هذا كان له مدلول خاص .
نظر ( بوليويف ) بعيداً عبر حقول أراضي (روثغار) , ورأى هناك منزلاً فلاحياً منفرداً من النوع الشائع في أرض (روثغار) كانت حيطانه من خشب وسقوفه بعجينة من الطين والتبن الذي يجب تعهده بعد تهاطل الأمطار . أما السقوف فكانت من أعواد التسقيف والخشب كذلك . ولم يكن بداخل المنزل إلا أرضية من الطين ومدفأة , وروث الحيوانات , فالمزارعون ينامون مع حيواناتهم داخل البيوت طلباً للدفء الصادر عن أجسادها , ويستعملون الروث وقوداً للنار
وأمر ( بوليويف) بأن نذهب إلى ذلك المنزل الريفي , فمشينا عبر الحقول الخضراء المبتلة . وتوقفنا لفحص الأرض مرة أو مرتين قبل متابعة السير , ولكنهم لم يروا شيئاً يهمهم . كما لم أر أنا شيئاً .
وأوقف (بوليويف) جماعته , مرة أخرى , وأشار إلى التراب الأسود , ورأيت بعيني أثر قدم حافية , بل عدة أقدام . كانت تلك آثار ملساء وأقبح من أي شيء معروف للخليقة .. كان على رأس كل أصبع أثر ظفر أو مخلب حادّ , بحيث كان الحجم بشريا , وفي نفس الوقت غير بشري . وقد رأيت ذلك بعيني وما كدت أصدقه .
وحرك ( بوليويف) ومقاتلوه رؤوسهم لِمَا رأوا , وسمعتهم يعيدون كلمة واحدة مرة بعد أخرى , وهي كلمة " فيندول" أو "فيندلون" أو ما يشابهها . ولم أعرف معنى الاسم . وأحسست أنني لا ينبغي أن أسأل (هيرغر) في هذه اللحظة لأنه كان قلقاً كالباقي . وسرنا سيراً حثيثاً إلى المنزل القروي ونحن نرى , مرةً بعد أخرى , آثار الأقدام ذات المخالب على الأرض .
ومشى (بوليويف) ومحاربوه على مهل , ولم يكن ذلك حذراً منهم , فلم يستل أحدهم سلاحه , ولكنه كان نوعاً من الخوف لم أفهمه , ولكنني أحسسته معهم .
وفي النهاية وصلنا إلى المنزل ودخلناه , وفيه رأيت بعيني هذا المنظر : شاب جميل متناسق الأعضاء فُصلت أعضاءُ جسده عن بعضها عضواً عضواً .
الصدر هنا , وذراع هناك , وساق هناك . وعلى الأرض بِرَك خاثرة من الدم تلطخت به الجدران , والسقوف , وكل مكان بحيث ظهر المنزل مطلياً بالدم الأحمر . وكانت هناك امرأة ممزقة بنفس الطريقة , وكذلك طفل ذكر في سنته الثانية أو أصغر , اقتلع رأسه من جسده فأصبح جَذعاً دامياً ..
رأيت كل هذا بعيني , وكان أشد ماشاهدته في حياتي إرعاباً , فأفرغت مافي جوفي , وبقيت دائخاً لمدة ساعة , ثم تقيأت مرة أخرى .
ولم أفهم أبداً سلوك الشماليين , فحتى وأنا أقيء , كانوا هم هادئين باردي الأعصاب أمام هذا المشهد المرعب , يراقبون كل ما رأوا بطريقة هادئة , يناقشون آثار المخالب على الأعضاء وطريقة التمزيق , وقد أعطوا اهتماماً كبيراً لغياب الرؤوس , ولاحظوا كذلك أبشع مشهد على الإطلاق , والذي مازلت أتذكره حتى الآن فترتعش فرائصي بشدة :
ذلك أن جسد طفل ذكر كان قد مضغته أسنان شيطانية في أجزائه الناعمة وراء الفخذ , ومنطقة الكتف .. رأيت بعيني هذه الفظاعة !
وخرج مقاتلو ( بوليويف) عابسي الوجوه يزمجرون من المنزل القروي . واستمروا في إعارة انتباههم إلى الوحل حول المنزل , ملاحظين أنه لم تكن آثار حوافر , الأمر الذي كان له معنى خاص عندهم . ولم أفهم لماذا , ولم يكن يهمني , فقد كنت أشعر بالغثيان والضعف ..

_____
يتبع
(الشاعر الرجيم) غير متصل   رد باقتباس