|
جمال الوجه في تجارب الشعراء الامويين
لقد كانت المرأة مصدر الالهام والوحي عند الشاعر، وكأنها تحل محل الالهة مما يدل على مكانتها عنده، وخاصة المرأة الحرة الشريفة المنعمة التي تعيش حياة مترفة فتفرغ لجمالها. فإذا هي آية من آيات الحسن وتمثال من تماثيل الجمال تملك الافئدة والقلوب.
فالمرأة خمرة الشعر ورحيقه، يرتشفه الشاعر فتأخذه نشوة بل خطفة عقلية، وماينتبه منها الا وفي فمه لحن سماوي، يتذوقه القاريء وقلّ ان ترى أدبا رفيعا مجردا عن ذكرها، ففيه من روحها حلاوة، ومن دلالها نغمة، ومن غنجها رقة، ومن فتور عينيها هيمنة.
ولها سلطان ينسي الرجل نفسه مهما كان مقامه او سنه فهي كالزمن تمتد في كل العصور. ونتيجة لسلطانها فقد استغرقت المرأة في العصر الاموي سواء في الغزل العذري ام الحسي أدب الشاعر كله لزيادة أهميتها وتأثيرها.
وفي العصر الأموي تجد الشاعر الحسي يصف المرأة، ويتغزل بها، ويعزف بقيثارته الشعرية أعذب الألحان، وأروع القصائد، مطرزاً إياها بأجمل الألفاظ، التي تعبر عن قيمة الجمال، وتأثيره في النفس الانسانية. فعبر عن جمال المرأة الجسدي، ووصفه وصفاً حسياً، وان كان بعيدا عن العذرية، ألا أنه لم يخدش أو يمس الحياء.
وبما ان الجمال الحسي هو كل ما يتعلق بالحواس، وكل ما يمكن أدراكه بالبصر او السمع فقد أدرك العرب جمال الجسد بحواسهم كلها عليا ودنيا. لذا راعوا حسن الهيئة والصورة في المرأة وعمدوا الى وصف الحسان والجميلات من النساء.
فالشاعر الحسي يرسم صورا متناهية في الدقة والرقة عند وصفه للحواس، ذلك لأنه يبحث عن الجمال ويسعى اليه، فالجمال المثالي كان غايته ومطلبه. وقد تأثر العرب بصور الجمال الحسية، فجسموا في المحبوبة المثل الأعلى للصورة الحسية، التي تعتمد في تصويرها والتقاطها على البصر والذوق واللمس.
ان مواطن الجمال الحسي عند الشعراء الحسيين شّعرٌ معقرب او منسدل، وعينان ساحرتان، وَقدّ رشيق، وخلاخل وعطور وجيد أغيد زانه خالص الدر وياقوت بهي.
فالتنويه بهذه المحاسن لايؤاخذ عليه الشعراء، ولا يحط من قدر المرأة وشأنها. فقد عبر العرب بفن الشعر عن جمال المرأة والطبيعة.
فالشاعر الحسي كان يدرك الجمال في عناصره المتعددة المختلفة، من انسانية وروحية وجسدية، ويقدره قدره ويطلبه ويسعى في اثره. فقد خضع للجمال وتغنى به وباصحابه واسر فؤاده كل جميل.
وعلى هذا الاساس كان للشعراء الحسيين مقاييس للجمال، وهذه المقاييس هي التي كانت سائدة في عصرهم وقد فطن الشاعر الحسي الى هذه الملامح الجمالية؛ لأن العين تألف المرأى الحسن وتقذى بالمرأى القبيح الكريه، والانف يقبل المشم الطيب ويتأذى بالمنتن الخبيث، والفم يلتذ بالمذاق الحلو ويمج البشع المر، والاذن تتشوف للصوت الخفيض الساكن وتتأذى بالجهير الهائل، واليد تنعم بالملمس اللين الناعم وتتأذى بالخشن المؤذي، والفهم يأنس من الكلام بالعدل الصواب الحق، والجائز المعروف المألوف ويتشوف اليه ويتجلى له، ويستوحش من الكلام الجائر.
مما حدا بالشاعر ان يرتفع بهذه المقاييس الجمالية الى المثالية فشعره يرمز الى الجمال المثالي الذي تكون الحسان مظاهر له. ولذا فان الجمال الحسي عند العرب كان مرتبطاً بصورة رئيسة بالحواس التي يمكن ان يميز بها بين الحسن والقبيح.
ونحن قمنا بتجزئة تلك الملامح والاوصاف الحسية في المرأة ودراستها لبيان قيمتها الجمالية، بحسب المقاييس والمعايير الجمالية عند الشعراء الحسيين، والسائدة في عصرهم. وعلى الوجه الآتي:
تغزل الشعراء كثيراً بجمال الوجه، فهو المرآة التي تعكس منظر صاحبها ومن شروط الحسن ((الصباحة في الوجه))
فالوجه يدل على صورة صاحبه، وهو أول شيء يشاهد من الانسان. ولذا يعطي الانسجام والتناسق في تقاطيع الوجه وملامحه جمالية وهيبة لصاحبه فـجمال الوجه وحسنه مما يجب المدح به، فأن الوجه الجميل يزيد في الهيبة ويتيمن به العرب،لانه يدل على الخصال المحمودة، كما ان قبح الوجه والدمامة يسقط الهيبة، ويدل على الخصال المذمومة، وذلك ما تكرهه العرب وتتشاءم به.
والغضة من النساء صاحبة الوجه الجميل، فهم يستحسنون من جمال المرأة الوضاحة. وبهذا نجد ان العرب قد عنوا بجمال الوجه ،وتغزل به الشعراء ولاسيما وجه المرأة، فـوجهها كضوء البدر… وأضوأ من النهار اذا استنار وابهى من سرابيل الأنوار
.
ويجسد الشعراء الحسيون في شعرهم وصف الوجه، وبرزت لديهم قيمته الجمالية من خلال سعيهم في البحث عن الجمال، وكل ما هو جميل لقد كدس الشعراء لمحبوباتهم ارق الصفات واحسن المزايا. فجعلوها الامل والاشراق والتطلع، ووصفوها بالمظاهر الحسية، وشبهوها بما هو مادي مما يدل على ذوقهم، وتعبيراً عن واقعهم ونتيجة لما هو سائد في ذلك الوق. فصارت تمثالاً للجمال ورمزاً له.
ومن المقاييس الجمالية هو أن يشبه وجه المرأة بالقمر أو الشمس في استدارته ونوره لان ذلك يدل على التمام. فقد قيل في جمال الوجه كأن وجهه البدر ليلة سعده وتمامه فلابد من أن تتآلف ملامح الوجه لأن هذا التألف يؤدي الى الانسجام فوزن خلقة الانسان اعتدال محاسنه والا يفوت شيء منها شيئاً. وهذا الانسجام نحسه وندركه بعقولنا كما أننا نقدره بذوقنا.
ويشبه الشعراء وجه من يحبون بالشمس فعمر يصف وجه عائشة بنت طلحة وهي احدى حسان عصرها، إذ جعله كالشمس ونورها، لا يستطيع احد أن ينظر اليه لأشراقته السراج، يقول:
تعشي،اذا برزت، من حسنها السُرُجَا
كالشمسِ صورتها غراءُ واضحةٌ
ومن جميل قوله:
وهي القتولُ ودميةُ الرهبانِ
شبهتُها من حسنِها شمس الضحى
وهي كالشمس في اشراقها حين تبدد ظلام الليل في يوم بارد حالك الظلمة فيقول:
في يوم دجنٍ باردٍ، مُقتمِ
كالشمسِ بالأسعدِ، إذ أشرقَتْ
قبلي لذي لحمٍ ولا ذي دمِ
لم أحسب الشمس بليلٍ بدت
اما العرجي فهو يرسم لوحة غزلية جميلة في وصف الوجه الذي يتلألأ نوراً كالفجر حين يجلو ظلمة الليل البهيم، وهو كصفاء الماء، من ينظر اليه حتى ولو لمحة يغشى عليه لنوره، قال:
من نظرةٍ غشيتني إذ رفعتُ لها
طرفي وما شعرت جداً سماديرُ
الا التماحاً وبعض الوجه منكشف
والبُردُ دوني على اسماء مستورُ
أبصرتُ وجهاً لها في جيده تلعٌ
تحت العقودِ وفي القرطين تشميرُ
والذي شجع العرجي على مذهبه في اللهو والاستمرار فيه، هو المرأة ذات الوجه الصبوح وذات الحسن والدلال والفتور والاسترخاء التي تحمل الوسامة والحسن على ملامح وجهها، قال:
زينت لي شواكلي كل لهوٍ
ذات لوثٍ من الصِّباحِ الوسامِ
وتبرز قيمة الجمال عند عبيد الله بن قيس الرقيات من خلال تشبيهه وجه من يحب بالقمر فقد وصفه بالابلج* لتناسقه في طوله وعرضه. لذا جعله ابن الرقيات كفلقة القمر لبياضه واشراقه وتناسقه، إذ قال:
ومَا كلّمتْنا ولكنّها
جلتْ فِلقةَ القمر الابْلجِ
أما عمر بن ابي ربيعة فشبه وجه حسنائه بالقمر في استدارته وإنارته، قال:
رأيتها مرةً ونِسوتَها
كأنها منْ شعاعها القمرُ
وقال ايضاً:
وأشفِّي البُردَ عنك له
كي تشَوقيه اذا نظرا
وهي ان طلعت بنور وجهها فأنها تجلو ظلمة الليل ودجنته، قال:
وإذا تراءَت في الظلامِ جَلتْ
دَجن الظلامِ كأنها بدرٌ
اما الاحوص الشاعر الاخر من شعراء الغزل الاموي ومن مدرسة عمر، فنراه لايخرج عما سار عليه صاحباه من الاوصاف الجمالية للمرأة، فيصفها بالبدر حين تسفر عن وجهها الاغر، قال:
سَفرتْ وما سفرتْ لمعرفةٍ
وجهٍ أغرَّ كأنّه البدرُ
ويجعل العرجي وجهها بدراً تاماً مضيئاً ظلمة الليل، يقول:
ووجهٍ كمثلِ البدر اذ تمَّ فاستوى
إذا ما بدا في ظلمةِ الليلِ يسدفُ
ولم يقتصر وصفهم وتشبيههم على هاتين الصفتين فحسب بل نراهم ينوعوّن في وصفهم ومقارنتهم بين وجه من يحبون والكواكب، كقول عمر:
إن الكواكبَ لايشبهنَ صورتها
وَهُنَ َأسوأ منها بعدُ أخبارا
وقوله ايضا:
ثـمَ أبصرتُ التـي زا
دتْ على الشمس بَرُوعَا
وتـرى النسـوان إن قا
متْ وإن قمنَّ خشوعـا
ويجمع الشعراء بين القمرين، فلا يكتفون بوصف الوجه الجميل بالشمس أو القمر بل نجدهم يجمعون الوصفين في بيت واحد.
فيقول عبيد الله واصفا أختين مشبها أحداهما بالشمس حين طلوعها والاخرى بالقمر الذي ينير الدجى.
تربين احداهما كالشمسِ إذ بَزغَتْ
في يوم دُجنٍ وأخرى تشبهُ القمرَا
ويصفها عمر تارة بالشمس واخرى بالقمر وكأنها درة ثمينة، قال:
أقول وَشفَّ سِجْفُ القَزِّ عنها
أشمس تلك أم قمرٌ منير
وقد انتابته الحيرة حيث نظر الى وجهها وقد أبان له خمارها عن جمال ذلك الوجه أهو الشمس أم القمر.
وقال:
كالبدر صورتها إذا أنتقَبَْت
وإذا سفرتِ فأنتِ كالشمسِ
اما الوليد بن يزيد فيشبهها تارة بالهلال وتارة بالشمس يقول:
طرقتِني وصحابي هَجوع
ظبيةٌ أدماءُ مثل الهــلال
ومن علامات ومقاييس الجمال الاخرى التي احسوا بها وعرضوا لها الخد الاسيل فمن القيم الجمالية البارزة في المرأة ان تكون ذات خدٍ أسيل. وهو الطويل السهل مع قلة اللحم، والاملس المستوي المسترسل.فالسهولة والطول في الخد تؤدي الى الامتشاق المتأتي عن لينه وملامسته واعتداله ,اما الوجنتان في الوجه، فهما اعلى الخدين
وقد قال عمر عن أسالة خدها الريان اذا ما جلته للناظر اليه كأنه البدر
وجَلتْ أسيلاً يومَ ذي خُشُبٍ
ريَّان مثل فُجـاءةِ البدرِ
وقال:
فلَما إن بـدا للعـينِ منها
أسيلُ الخدِ في خلقٍ عميمٍ
وقوله:
لأسيلة الخـدينِ واضِحة
يعشي بسنَّةِ وجهها البدرُ
وعن وجنتيها وبروز خديِّها، قال:
كيف صبري عن فتاةٍ
أحسنِ الناس لعــوبٍ
صِلَتةِ الخدين، خـودٍ
خَلطَتْ حسنـا بطيـبِ
فهي ناعمة ذات حسن مشوبة بالطيب.
اما نقاء خدها الذي لاح له حين اعرضت عنه، فقال:
فآخر عهدٍ لي بها حين اعرَضَت
ولاح لها خدٌ نقي، ومحجرُ
فصفحة خدها آخر ما بقي في ذاكرته وذهنه منها. وعن صفاء الخدود وجمال الجبين قال:
لو يبصرُ الثَقفُ البصير جبينها
وصفاء خديَّها، العتيق لحارا
ان صفاء الخد من الامور المهمة؛ لأن من المكروه والمستقبح وجود النمش والكلف في الوجه وكانت النساء تحرص على ازالة ذلك كله. لكي تصبح صفحة الخد رقيقة ناعمة صافية تعطي احساساً بالجمال لمن ينظر اليها.
اما العرجي فهو يصف الخدود وصفاً رائعاً إذ يتحدث عنها إذا ما أسبلت حسناؤه على وجهها البُرد، تلألأ وجهها، ولمع خدها اللين الاملس الاسيل، فيقول:
إذا ضربت بالبُرد من دون وجهها
تلألأ أحمُّ المقلتين أسيلُ
واللون المفضل للخد هو اللون الاحمر او الازهر ,وقد قيل عن حمرة الخدود خدها كجني الورد. كما فضلوا في الخدود الرقة والنقاء والصفاء والنعومة؛ لأن هذه الرقة هي التي تضيف على الوجه جماليته وهي التي عناها الشعراء. في شعرهم من خلال ادراكهم واحساسهم بتلك المعايير الجمالية التي تخلق لديهم الابداع الجمالي في القول والتعبير عن قيم الجمال.
فنرى العرجي تفيض قريحته الشعرية وتتحرك مشاعره للوجه الذي يزداد توّرد خديه عند النظر اليه فيكسبه ذلك نضارة كالنبات الذي يزدان ويكثر اذا ما سقط عليه المطر، يقول:
يزدادُ توريدُ خدَّيها اذا لُحظتْ
كما يزيد نبات الأرض بالمطرِ
فالورْدُ وجنتها والخمرُ ريقتها
وضوء بهجتها أضوا من القمرِ
وهو يرسم صورة جميلة لامرأته التي ازداد شغفه وتطلعه اليها بعد ان أماطت النقاب الرقيق الذي تضعه على وجهها فكشفت عن وجنتيها وخديّها وبان جمالها للناظر.
وأدنتْ على الخدِّين بردا مهلهلا أماطت كساء الخزِّ عن حُرِّ وجهها
ب ق ل م ي
|
__________________
حبيبتي : قلبي وحبي أمانة الله ِ عندك ِ فأحفظيها
شكرا من القلب لمن أهداني هذين التوقيعين
|