|
من الأقدام الحافية.. إلى زعامة العالم الثالث
بومدين……… من الأقدام الحافية.. إلى زعامة العالم الثالث
لم تكف 29 سنة عن رحيل هواري بومدين لفك الكثري من الألغاز التي تلف شخصيته.. حتى أقرب الناس إليه من أهل وأصدقاء أقسموا بالله بأنهم يجهلون الكثير من الخصوصيات حتى لا كلها؛ وإذا كان الرجل لم يترك أولادا ومات اخوته الستة من البنات والذكور فإن المدهش أن أبناء إخوته مازالوا يؤمنون بأن التطرق إلى خصوصيات الرجل من الطابوهات التي لا يجب أن تكسر مدى الحياة!!.. ومع ذلك حاولنا العودة إلى الخلف بنحو سبعين سنة مع رفقاء دراسته وبعض أفراد عائلته، والغريب أن الشيخ الطيب الذي درسه في جامع الكتانية بقسنطينة مازال على قيد الحياة*.
صاحب* العيون* الزرقاء* والشعر* الأحمر
أغلب صور الرئيس الراحل هواري بومدين بالأبيض والأسود وهي صور لرجل عبوس تخفي عيونه الزرقاء وشعره المائل إلى الإحمرار وكان أترابه ينادونه "الروجي"، كما أن الرئيس الجزائري الأسبق رفض أن يكون بومدين رئيس الوحدة الإفريقية وهو أشقر!!
ولد محمد بوخروبة في 23 أوت 1932 (75 سنة لو مازال على قيد الحياة) بمشتة العرعرة بدوار عدي ببلدية عين احساينية سابقا والتي أصبحت الآن تابعة لبلدية مجاز عمار (12 كلم غرب ڤالمة)، كما أن عين احساينية تغير إسمها إلى بلدية هواري بومدين. والده يدعى ابراهيم بوخروبة وهو فلاح بسيط وأمه من ذات المنطقة (تدعي تونس بوهزيلة)، وأنجبت إضافة إلى محمد، ابنين من الذكور وأربع بنات توفوا جميعا، وأثقل هذا العدد من الأبناء كاهل الأب ،فكانت عائلة بوخروبة من أفقر عائلات المنطقة وقد يكون ذلك هو سبب تقاسيم الحزن والصرامة المرسومة دائما على وجه الفتى محمد وقلة الكلام التي تطبع ظهوره، وعندما بلغ محمد سن الرابعة دخل المدرسة القرآنية القريبة من مشتة "العرعرة" وفي سن السادسة أي عام 1938 التحق بمدرسة "آلومبير" بوسط مدينة قالمة والتي أصبحت تحمل إسم إكمالية محمد عبده، ومن هاته المدرسة أخذنا شهادات* رفيق* دراسته* الأستاذ* سليمان* بن* عبدة*.
كان* يمشي* حافيا* و*"قشابية*" الصوف* لا* تفارقه
انضم محمد بوخروبة لمدرسة "آلومبير" الابتدائية عام 1938، كانت هاته المدرسة مقسمة إلى قسمين، الأول خاص بأبناء المعمرين "الكولون" وأبناء الأعيان والأغنياء، والقسم الثاني للأهالي من عامة الناس. وكان طبيعيا أن يكون محمد في القسم الثاني ومع ذلك كان يدرسه معلم فرنسي يدعى (سيغالا) الذي تم استدعاؤه في منتصف العام الدراسي لأداء الخدمة العسكرية فاستخلفه معلم فرنسي آخر يدعى (لوروا) وهو المعلم الذي لاحظ أن (محمد) سابق لجيله، إذ يتجاوز الامتحانات جميعها بسهولة أدهشت (لوروا) الذي لاحظ أيضا أن هذا (التلميذ الذكي والنجيب) يحضر* إلى* المدرسة* حافي* القدمين* ولكن* قشابية* الصوفية* لا* تغادره،* ومع* ذلك* يبدو* أنيقا* رغم* غياب* الحذاء* من* قدميه*.
أما الجلابة من الصوف (قشابية) التي كان يرتديها، نسجتها له والدته بالدشرة التي تقيم فيها عائلته بدوار بني عدي، ولأن محمدة بوخروبة كان أطول أترابه وزملائه بالقسم الابتدائي فقد كانت القشابية جد لائقة عليه وزاد لونها البني في جمال الطفل الأشقر البشرة الذي كان يظهر* ورغم* صغر* سنه* أنيقا،* ينظر* بعيون* حادة* ويسير* بروح* يقظة*.
خاتم* القرآن* ودرّسه* لأبناء* قريته
لم تمنع الدراسة بالمدرسة الفرنسية الطفل محمد من مواصلة حفظ القرآن حتى ختمه، وأخذ في أوقات العطلة المدرسية يعلمه لأبناء قريته من أترابه الذين لم يسعفهم الحظ في الالتحاق بالكتاب أو المدرسة، وقد كان محمد وبإصرار منه على اتمام حفظ القرآن يتحايل على معلميه في المدرسة الفرنسية بأن يضع دفترا سبق وأن كتب عليه آيات قرآنية وسط كراس الفرنسية، وعندما ينهمك المعلم في تحضير الدروس أو تصحيح الكراريس، يقوم محمد بقراءة القرآن سرا دون أن يكتشف أحدا أمره سوى زميله سليمان بن عبدة الجالس بجانبه على نفس الطاولة، بينما يكون المعلم غافلا جالسا بمكتبه، وهذا التصرف يؤكد أن محمد بوخروبة الفتى هو الذي اعتاد على عدم تضييع أي شيء من وقته، لأنه كان يعلم حجم معاناته جراء بعده عن أسرته المقيمة بدور بن عدي بعيدا ببضع كيلومترات عن مدينة قالمة التي كان يقيم بها عند إحدى العائلات مقابل أن يدفع لها والده الفلاح البسيط شيئا من المؤونة والغذاء، خاصة القمح والشعير والخضروات التي كان يجنيها من حقول الأراضي التي تملكها العائلة بدوار بني عدي، وقد أتم حفظ القرآن الكريم في العطلة الصيفية لسنة 1947 عندما كان ماكثا بدوار بني عدي، وعند عودته لمتابعة دراسته بالسنة الثالثة متوسط بمدرسة آلمبير خلال شهر أكتوبر 1947كان محمد قد صبغ أصبعه بالحناء وحمل معه كمية من (البراج) وهو (المقروض) المصنوع بزيت الزيتون والتمر والمعجون ووزعه على بعض اصدقائه الجزائريين بالقسم بمناسبة ختمه لحفظ القرآن وقد رافقه يومها الى عتبة المدرسة* والده* إبراهيم* الذي* حمله* على* ظهر* بغله* من* دوار* بني* عدي* الى* المدرسة*.
كان* يرفض* أن* يضربه* المعلم* الفرنسي
على الرغم من أنه كان صغيرا ولم يبلغ مرحلة التمحيص بعد، إلا أن محمد بوخروبة كان يتميز بقوة خارقة للشخصية، حيث أنه كان مواظبا على حفظ دروسه وأداء واجباته المنزلية حتى لا يتيح أية فرصة للمعلمين الفرنسيين كي يمدوا أيديهم عليه بالضرب أو يوجهوا إليه أية كلمة جارحة تمس بكرامته، ويتذكر العديد من أصدقائه وزملائه في القسم التأهيلي الثالث عندما لم يقم محمد بمراجعة أحد الدروس، وعندما دخل القسم كان يترجى من الله أن لاي سأله المعلم حتى لا يحرجه ويضربه، لكن وما هي إلا دقائق قام خلالها المعلم باستجواب عدد من التلاميذ بخصوص الدرس وبذكاء خارق تمكن محمد بوخروبة من حفظ الدرس الذي لم يراجعه وبدأ برفع إصبعه بغية المشاركة في الحصة، وقد جلب ذكاءه وتفانيه في الدراسة انتباه واهتمام معلميه في الطور الابتدائي، خاصة وأنه كان يتحصل دوما على النقاط الجيدة في امتحانات كل نهاية سنة ولم يسقط* ولا* مرة* واحدة* في* الدراسة*.
يؤكد الأستاذ سليمان بن عبدة أن زميله في القسم الابتدائي محمد بوخروبة كان يتميز بالأنفة والكرامة، وأنه لم يضع يوما قدميه في المطعم المدرسي المخصص للتلاميذ المعوزين وأولئك الذين يقطنون خارج مدينة قالمة، حيث أنه وعلى الرغم من ظروفه الصعبة، كونه من عائلة بسيطة ماديا ويقطن خارج المدينة، إلا أنه وفي مطلع كل سنة دراسية كانت إدارة المدرسة تقوم بتسجيل أسماء التلاميذ الفقراء وأولئك الوافدين من أماكن بعيدة خارج المدينة، إلا أنه كان يمتنع عن تسجيل إسمه ضمن القائمة حفاظا على كرامته على الرغم من أن لديه كامل الحق في ذلك، كونه يقيم بدوار بن عدي بعيدا عن المدينة، ولازال تصرف مدير المدرس (فاني) في إحدى المرات يثير التساؤل والجدل بعد ما قام بإعداد قائمة تضم أحسن خمسة تلاميذ نجباء ومن بينهم كان التلميذ محمد بوخروبة، وبعد أسبوع قام بجلب نعال والقاها في بهو المدرسة على أن يأخذ كل* واحد* من* المسجلين* زوجا* حسب* مقاسه،* حتى* لا* يمشي* التلاميذ* النجباء* على* الأقل* حفاة*.
لقد كان التلميذ محمد بوخروبة مثابرا وتلميذا ممتازا، يفكر في كل شيء بوعي كبير، وقد جعلته ظروفه الاجتماعية الصعبة كونه ينحدر من عائلة ريفية بسيطة يهتم بكل شيء ولا يضيع شيئا من ممتلكاته إلى درجة التقشف، ولأن التلميذ المجتهد والأول في قسمه في مختلف المواد، كان يتلقى بعض المأكولات الشعبية التي ترسلها له والدته في المناسبات، خاصة منها البراج والكسرة والرفيس وغيرها وهي المأكولات التي كان محمد يحبها ويشتهيها إلى درجة تفضيله لها على باقي أنواع المأكولات، خاصة إذا احتسى معها لبن البقر الصافي، كما أنه كان يستهلك هذه المأكولات لأطول فترة ممكنة، كما أنه كان دائما يحمل بجيبه حبات من التمر، ولعل أكثر شيء يحن له محمد بوخروبة منذ الصبا هي الحياة البسيطة وأكل رغيف من صنع يدي أمه (تونس) رحمها الله، وقد كبرت فكرة التقشف لدى الطفل إلى درجة عدم تضييعه حتى للوقت واستغلاله له في ما* هو* مفيد* كحفظ* القرآن* الكريم* الذي* ختم* حفظه* خلال* صائفة* سنة* 1947* أي* في* السنة* الخامسة* عشرة* من* عمره* ومنذ* ذلك* التاريخ* أصبح* أترابه* ينادونه* بـ* "سي* محمد*"*.
|