صناعة القرار الايراني بين «الوعد» الروسي و«الوعيد» الاميركي!
ايا كانت الاسباب التي دفعت بالسيد علي لاريجاني الى الاستقالة من منصب الامين العام لمجلس الامن القومي الايراني الاعلى الا ان القدر المتيقن منها هو ان الرجل وصل في اختلافه في الرأي مع رئيسه التنفيذي المباشر اي رئيس مجلس الامن القومي الاعلى وهو رئيس الجمهورية الى الحد الذي لم يعد بامكانه الاستمرار في العمل معه سوية في ادارة هذا الملف الشائك والحساس وبالتالي القيام بالمهمة المناط بها في هذا السياق مما استوجب اعلان «الطلاق» بينهما! اي ان يقدم الاول استقالته المؤكدة هذه المرة بعد ان سبق وقدمها ومن ثم سحبها نزولا عند رغبة الوسطاء من كبار القوم اكثر من مرة ولم تنفع في «ردع» الثاني من التشويش على اداء الاول المقتنع اقتناعا كاملا بصحة اداءه ونجاعته!
وايا تكن التصريحات والتأويلات والتفسيرات التي خرجت من الداخل والخارج على هذا الحدث والذي وصل بالبعض الى وصفه بالجلل او الخطير! الا ان العارفين ببواطن الاشياء وطريقة تعاطي القيادات الايرانية مع بعضها البعض وكذلك هيكلية وآلية صناعة القرار الايراني يعرفون تماما بان القضية لا تذهب الى ابعد من «طلاق رجعي» اقدم عليه لاريجاني مع السلطة التنفيذية يمكن العودة عنه في اية لحظة يشاء او ان تعود الامور بينه وبينها الى طبيعتها في اية محطة مقبلة يقرر فيها اهل الحل والعقد «اعادة لم الشمل» بين الرجلين طبقا لموازين مصلحة النظام العليا!
ليس المقصود هنا التخفيف من آثار مثل هذه الاختلافات ولا الاستخفاف باحتمالات تداعياتها الضارة على الداخل كما الخارج، لكنني هنا بصدد تسليط الضوء على ظاهرة ادارة الصراعات في النظام الاسلامي الحاكم في ايران والتي لا تشبه الا نفسها، فمن يقرر تحمل المسؤولية يحشد كل ما لديه من امكانات ومعلومات وتحليلات وخبرات وافراد وجماعات ومعاهد دراسات مؤدية لوجهة نظره لاقناع الجميع بانه يملك الآلية الانجع والطريق الاصوب للوصول الى الهدف المشترك المنشود، ومن ثم «فرض» ذلك كمسار سائد في مطبخ صناعة القرار الاعلى على حساب منافسيه الذين هم بدورهم سيسلمون له ما دام قد نجح في «خطف» الدور المنشود! لكن لا احد يستسلم من منافسيه او «يحرد» او يولي الادبار او يتجه الى التآمر «العنفي» على من تمكن من احراز الفوز والنجاح، بل يتجه و منذ اليوم الثاني من انتهاء «المعركة» الى اعلان الطاعة والقبول من جهة، لكنه يعود ليقف في الطابور من جديد حاشدا كل ما يملك من معلومات وخبرات وامكانات ومعاهد دراسات تعمل معه او تحليلات مفحمة ليضعها يوميا امام «مجالس» صناع القرار ليعيد الكرة في المنافسة لعله يستعيد زمام المبادرة او يفشل مرة اخرى دون ان يستسلم امام معاودة الكرة، و هكذا دواليك!
نعم غالبا ما يحصل مثل هذا «الطلاق» في ايران ما بين نهجين او اكثر في التعامل مع الملفات المختلفة لاسيما في المحطات الحرجة لكنه نادرا ما يكون «طلاقا بائنا» اي لا عودة عنه الا بالاستعانة ب«المحلل»!
ما حصل بين لاريجاني واحمدي نجاد، يشبه ما حصل بين حسن روحاني ولاريجاني من قبل في اواخر عهد الرئيس محمد خاتمي، وقد كان كلاهما ولا يزالان ممثلان لمرشح الثورة في مجلس الامن القومي الاعلى، كما يشبه ماحصل بين جماعة خاتمي و جماعة رفسنجاني في لحظة اوج صعود خاتمي، فيما تقف الجماعتان اليوم متعاونتين «على» احمدي نجاد، وهو ما ينطبق على جماعة رئيس مجلس الشورى السابق «البرلمان» الشيخ مهدي كروبي، والذي ظهر «مغاضبا» على الجميع على خلفية «اختطاف» الرئاسة من بين يديه كما اعلن في حينها وظن البعض للحظة انه سيخرج على النظام وأعد العدة اللازمة لذلك، لكن سرعان ما خاب امله، و هو الشيء نفسه الذي ظنه البعض «وهو يسمع الرئيس السابق رفسنجاني وعلى نفس خلفية كروبي بانه «لم يبق لديه سوى الشكوى الى الله»! لكنه سرعان ما تفاجأ ايضا، وها هو اليوم يتفاجأ اكثر وهو يرى رفسنجاني اياه على راس اهم مجلس من مجالس صناعة القرار، الا وهو مجلس خبراء القيادة بالاضافة الى احتفاظه بمجلس تشخيص مصلحة النظام!
انها دورة الحياة السياسية الايرانية، التي «تمأسست» افقيا وعموديا بطريقة يصعب على اي كان مهما علا شأنه ان يتحكم بها منفردا، وصارت تشبه حياة الايراني اليومية التي اعتاد فيها المواطنون خلال ما يقرب الثلاثين سنة الماضية ان يقفوا في طوابير او صفوف الحليب والخبز والبنزين او ركوب الحافلات، بانتظار حقهم او دورهم «سلميا» مهما طال الانتظار، حتى وان اعتقد البعض لبعض الوقت او لكل الوقت ان حقه او دوره قد سلب ظلما او تعسفا! ذلك لانهم باتوا على قناعة شبه راسخة بان كلفة الانتظار المنتظم والمنظم معه العزم والاصرار اقل بكثير من كلفة الغضب اللامتناهي المصحوب بالصخب او الانفجار!
وكما يقول بعض «الخبثاء» من الطبقة السياسية الحالية في ايماءة لا تخلو من الظرافة المشوبة بالمناكفة مع ابناء جيله: ان ثورة واحدة في العمر تكفي!
من جهة اخرى فانه وايا كان الاتجاه الذي سيسلكه الرئيس احمدي نجاد تجاه التهديدات المتصاعدة تجاه بلاده من جانب كبار المسؤولين الاميركيين وآخرها تصريحات رايس المحسوبة على خط «الحمائم» فيما يتعلق بالخيار العسكري ضد طهران والتي قالت مؤخرا بان طهران تشكل التحدي الاكبر الوحيد للمصالح الامنية الاميركية في الشرق الاوسط وربما في كافة انحاء العالم، فانه يبقى السؤال الكبير حول ما يجري من حراك داخلي في ايران وحراك خارجي من حولها وبشأنها الا وهو اين تقف ايران الان والى اين تتجه؟!
سؤال لا شك مشروع وقد يحمل في طياته بعض القلق على ايران من اصدقائها وبعض القلق من ايران من جانب خصومها. فماذا يقول الذين يعرفون ايران من الداخل حول هذا السؤال المركزي؟
يقول العارفون ببعض بواطن الامور بان كل ما ترونه من ايران في الظاهر الخطابي او الكلامي او «الشعاري» ما هو الا وجه واحد من وجوه ايران وقد لا يكون الجزء الرئيسي من وجوهها، فايران وان كان صحيحا ان في داخلها خلافات جدية بين اطراف نافذة حول طريقة التعامل مع الملفات الاساسية تعاطيا وتعاملا ونهجا وسلوكا وتكتيكا واداء، الا ان ما يوحد كل اولئك ويضعهم في خانة واحدة في اللحظة المطلوبة هو كون الجميع يعود الى القراءة التي يقدمها لهم الخبراء المعنيون بكل ملف و ما بات يصطلح عليه منذ مدة ب«تشخيص مصلحة النظام العليا» في كل قرار يتخذ، وهو الامر الذي انشأوا له مجلسا خاصا سموه ب«مجلس تشخيص مصلحة النظام»!
القارئون بدقة لما يتم تداوله في الاروقة الخلفية وفي «مطابخ» صياغة القراءات التي تساعد على اتخاذ القرار المناسب يقولون بان القدر المتيقن لدى صانع القرار الايراني هو ان يتجنب اي فعل مهما كان صغيرا يؤدي الى اشعال فتيل الحرب مع واشنطن لاسيما الوجه المتطرف من العاصمة الحربية المعالم هذه الايام! والدليل هو تحمل طهران وسكوتها على كثير من الانتهاكات والاعتداءات ضد مواطنيها وديبلوماسييها في العراق على طريقة المثل الايراني الشهير «رأيت الجمل، لا ما رأيته» وهل يخفى الجمل؟! غير ان طهران تضع كافة خلافاتها الداخلية مهما عظمت امام المصالح القومية العليا والتي تعتقد ان رعايتها وحمايتها في هذه اللحظة يتطلب الدراية في معالجة الملفات و«المدارات» في التعاطي مع الخصم واللذان يعتبران السبيل الامثل في المواجهة رغم كل الاصوات العالية التي تنطلق من اكثر من اتجاه والى اكثر من اتجاه، وما حمله بوتين الى طهران من اقتراح انما يتلخص ايضا في هذا الخيار الاستراتيجي الذي يلخصه العارفون بالقول: تعاونوا معنا اقتصاديا الى الحد الاقصى لاسيما في مجال الغاز والتأسيس لاوبك الغاز انطلاقا من التعاون حول حقل بارس جنوبي مع شركة غازبروم الروسية العملاقة التي تحكم روسيا وصولا الى استمرار التسلح على اكثر من صعيد مرورا عبر التفاهم على تقاسم الثروات والنفوذ على بحر الخزر «قزوين» وايضا عبر الانفتاح على اوروبا المتبرمة من الاحادية الاميركية من خلال طمأنتها حول موضوعة التخصيب! وعندها نستطيع واياكم مواجهة اميركا المنكسرة احاديتها والمجروح كبريائها في العراق والاقليم بما يجنبكم ويجنبنا حربا جديدة! وهنا يعرف سر التعايش والتفاهم الذي اعيد صياغته بين لاريجاني واحمدي نجاد ومن قبله بين نجاد وروحاني ومن ورائه رفسنجاني والتي تأتي جميعا في اطار مقولة ديبلوماسية حياكة السجاد الشهيرة!
-----------------------
المصدر:
منقول
جريدة الوفاق
*محمد صادق الحسيني