في أجواء وداع شهر رمضان المبارك
شهر رمضان الذي نودعه هو شهر الله الأكبر، فكلّ الشهور تصغر في خصائصها أمامه في ما منحه الله من الامتيازات، وهو عيد أوليائه الأعظم كما نستوحي من دعاء الإمام زين العابدين(ع) في وداعه حيث يرتفع هذا الشهر بهم إلى أعلى الدّرجات، عندما يتحركّون فيه في أفضل الأعمال، وأقدس الأيام والساعات بما لا يحصل لهم في غيره في هذه الدرجة، وهو الوقت الذي يصحبه الإنسان كأكرم مصحوب في الخير الذي يقدّمه لصاحبه، وخير شهر في الأيام والساعات في نتائجه الكبيرة في حركة الحياة في الإنسان.
السمو الروحي:
وهو الشهر الذي أعطى الآمال فرصة كبيرة لتقرب من الواقع في ما يأمله الإنسان من السموّ الروحي، والارتفاع المعنوي، والدرجات العليا عند الله، وهو الذي نشرت فيه الأعمال فانطلقت في عملية إيحاء منفتح على طاعة الله في التعبير عن إخلاص عبده المؤمن له.
وهو القريب الحبيب الذي يشعر الإنسان بالرابطة الوثيقة التي تربطه به حيث يشعر بجلالة قدره عند وجوده لمعرفته بمواقع الجلال في خصائصه ومعانيه، كما يفجع بفقده عند زواله، لما يشعر به من فداحة الخسائر التي تترتب على افتقاده، وهكذا تتلاحق صفة المرجو الذي آلم فراقه، والأليف الذي فتح للقلب نافذة على الفرح الروحي عند إقباله، كما أغلق عنه أبواب الانفتاح عند إدباره وتحرّك مع عناصر الشخصية الإسلامية في إيحاءاته ومواقعه وأفكاره، حتى بعث الرقّة في القلوب، وخفف فيه ثقل الذنوب على النفس.
ألطاف الله:
للتشريع الإلهي دوره الكبير في إعطاء الزمن معنى روحيّاً إيحائياً، حيث يتحوّل إلى عنصر من عناصر التأثير الإيجابي على النفس التي تعيش في ساحة الصراع بين خط الله وخط الشيطان، لمصلحة الالتزام بالإيمان والتقوى في خط طاعة الله والإخلاص له، لأن الخصوصيّة المعنويّة التي يحصل عليها الشهر المبارك في مفردات التشريع الواجبة والمستحبة، تخلق جواً من الاهتمام والقداسة التي تنفذ إلى مشاعر الإنسان الذي يتحرّك في داخله بشكل لا شعوري، بحيث يتأثّر به حتى الذين لا يلتزمون بالتزاماته في نطاق الجوّ العام، ومن هنا نفهم كيف يتحوّل هذا الشهر إلى ناصر أعان على الشيطان، وصاحب سهّل سبل الإحسان، لأنّ الضغوط الروحيّة على نوازع الشرّ تساهم في منع الإنسان من الاستسلام لخطوات الشيطان وحبائله بطريقة بالغة التأثير، كما تدفع النفس إلى السير في خط الإحسان الفكري والعملي في ما يحبه الله يرضاه.
وقد ورد في الحديث عن النبي(ص):"إن الله وكل بكلّ شيطان سبعة أملاك في شهر رمضان فليس بمحول حتى ينقضي"...
ثم كان من ألطاف الله في هذا الشهر، أنّ الله يعتق الكثير من المذنبين من النار، فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق(ع)، إذا كان أوّل ليلة من شهر رمضان، غفر الله لمن شاء من الخلق، فإذا كان الليلة التي تليها ضاعف كما أعتق، وهكذا، حتى إذا كان آخر ليلةٍ ضاعف فيها كلما أعتق.
وهذا هو الذي يفتح للمذنبين باب الأمل الكبير في المغفرة، حتى في الحالات الشديدة التي أسرفوا فيها على أنفسهم وتوغّلوا كثيراً في دروب المعصية، فيرجعون إلى الله ليؤكّدوا رعايتهم لحرمة الله في هذا الشهر بذهنية روحية جديدة، يتخلصون فيها من كلّ أثقال الذنوب وأغلالها، ليعيشوا السعادة الداخلية في كيانهم، في عملية تجدد روحي وعملي ليكونوا من أسعد الناس في ذلك على مستوى النتائج الكبيرة في انطلاق الذات وحركة المصير.
وهكذا يساهم هذا الشهر في إيحاءاته وأجوائه في محو الذنوب بالتوبة، وستر العيوب بالتمرد على الانحراف في خط التغيير.
ومن خلال طبيعة الدور الذي أريد لهذا الشهر أن يحققه في التزاماته التي تتجاوز العنصر المادي في الصوم الجسدي إلى الصوم الروحي والأخلاقي، فإنّ المؤمنين يشعرون بسهولة الحركة فيه من خلال القرار المنطلق من الإرادة الإيمانية بالالتزام بأوامر الله ونواهيه، كما أنّ المجرمين يشعرون بثقله وطوله، لأنّه يخلق في داخلهم شعوراً بالعقدة المستعصية لابتعادهم عن الأجواء العامة فيه في مجتمع الإيمان، فيعيشون فيه الإحساس بالعيون التي تحدّق بهم بالاستنكار، وبالمشاعر التي يتصاعد فيها التوتّر على أساس ما يقومون به من انحرافات في هذا الشهر، ممّا يجعلهم يفكّرون في أوضاعهم كما يفكّر السجين في شعوره بطول مدّة السجن حتى لو كانت قصيرة.
التوبة ومحو الذنوب:
وهكذا يساهم هذا الشهر في إيحاءاته وأجوائه في محو الذنوب بالتوبة، وستر العيوب بالتمرد على الانحراف في خط التغيير.
ومن خلال طبيعة الدور الذي أريد لهذا الشهر أن يحققه في التزاماته التي تتجاوز العنصر المادي في الصوم الجسدي إلى الصوم الروحي والأخلاقي، فإنّ المؤمنين يشعرون بسهولة الحركة فيه من خلال القرار المنطلق من الإرادة الإيمانية بالالتزام بأوامر الله ونواهيه، كما أنّ المجرمين يشعرون بثقله وطوله، لأنّه يخلق في داخلهم شعوراً بالعقدة المستعصية لابتعادهم عن الأجواء العامة فيه في مجتمع الإيمان، فيعيشون فيه الإحساس بالعيون التي تحدّق بهم بالاستنكار، وبالمشاعر التي يتصاعد فيها التوتّر على أساس ما يقومون به من انحرافات في هذا الشهر، ممّا يجعلهم يفكّرون في أوضاعهم كما يفكّر السجين في شعوره بطول مدّة اسجن حتى لو كانت قصيرة.
وفي الجو الروحي، يقف هذا الشهر في الموقف الذي لا تستطيع الأيام الأخرى أن تدخل معه في منافسة في القيمة والنتائج، لأنها لا تحمل الكثير ممّا يحمله من خصائص وامتيازات، ولا سيّما في روحية السلام الذي يسري إلى كلّ أمر فيه، ممّا يخلق في الحياة جواً رائعاً من الانفتاح على كلّ معاني الخير والابتعاد عن كلّ معاني الشرّ.. وهكذا تكون صحبته لكلّ الذين يصاحبونه طيبة محبّبة، كما يكون الاندماج فيه مفتوحاً على كلّ أوضاع السرور.
الشعور بالحرمان من الفضل:
وهنا تأتي كلمات الوداع في المشاعر الحزينة في اللحظات الحاسمة التي يبتعد فيها الإنسان المؤمن عن أجواء هذا الشهر بالانفصال عن أيامه.. وبذلك يتحرّك الشعور ليتحدّث مع هذا الشهر في كلّ ما كان يعيشه المؤمنون معه، أو يحصلون فيه من نتائج السعادة في الدنيا والآخرة.
فقد جاءنا بالبركات التي ملأت حياتنا، وغسل عنا قذارة الخطايا حتى طهرت أرواحنا، لذلك فنحن نشعر ببركته وطهارته فلا يكون وداعنا له وداع الضجر الذي يشعر به الناس في حالة الجو الثقيل الذي يطبق عليهم، كما أننا لن نترك صيامه من خلال الملل، لأننا كنا نحبه وننفتح عليه في مواقع القرب من الله، ممّا يجعلنا نطلبه قبل وقته، ونحزن عليه قبل فوته ليصرف عنّا الكثير من السوء، ويفيض علينا الكثير من الخير، ولننفتح فيه على الله في ليلة القدر التي تختصر الزمن في ساعاتها حتى تكون في حجم ألف شهر في نتائجها الكبيرة... وهذا هو الذي جعلنا نحرص عليه في داخله، ونشتاق إليه في المستقبل، ونشعر بالحرمان من فضله ومن بركاته، لنفكّر في تعويض ذلك الحرمان في شهر جديد وعمل جديد.
وهنا نحن ـ في نهاية المطاف ـ نقف في مواقع الحمدلله لنؤكد معنى العبوديّة له في وجودنا، ولنعترف له بالإساءة في ما أذنباه فيه، وبالإضاعة في ما قصرنا فيه، ولن نستطيع التخلّص من واقع التقصير لأنّه تعالى لا يعبد حقّ عبادته، مهما بلغ العباد من ذلك.
وهكذا نتوجه بشكل مباشر إلى الله سبحانه كما توجه إليه أمامنا زين العابدين(ع): لك منّا الإرادة القويّة والتأكيد الشديد من عمق قلوبنا في ما نستشعره من الندم العميق على ما قصّرنا فيه، ومن حركة ألسنتنا في الاعتذار الصادق الذي ينطلق من صدق الإقرار في التغيير.
وإذا كان ذلك تعبيراً عن موقف الإيمان الحق في ما أردت به عبادك أن يتحسسوا الندم في قلوبهم والاستغفار في ألسنتهم، فإنّنا نطلب منك الأجر الجزيل من عطائك وكرمك، لنحصل علي التعويض عمّا فاتنا من الأجر في طاعاتك، وعلى المغفرة في ما أذنبنا فيه من أعمالنا.
السير إلى الله:
وإذ غاب شهر رمضان عنّا، في هذه الفرصة من العمر، فهيّئ لنا فرصة جديدة في امتداد أعمارنا إلى رمضان جديد الذي نريده شهراً تتضاعف فيه طاقاتنا في حركة الطاعة في حياتنا، وتشتدّ فيه الإرادة للوصول إلى مستوى القيام بحقّك بعونك، وتنفتح فيه خطواتنا على الدّرب الذي يؤدّي بنا إلى مواقع القرب منك حتى نحصل من ذلك على ما تدارك ما فاتنا من الأعمال في الشهر الماضي وما نبلغه من الأعمال الصالحة في الشهر المقبل.
وإذا كنّا نعتذر إليك من التقصير في ما سلف منّا في هذا الشهر، فإنّنا نستذكر الآن ما ألممنا به من الآثام والذنوب والخطايا ممّا تعمّدناه أو أخطأنا فيه أو نسينا معه، مسؤوليتنا أمامك في ما يتّصل بنا أو بالآخرين من حرماتهم التي انتهكناها في أنفسهم وفي أموالهم وأهاليهم وأعراضهم.. لنشعر أمام ذلك كله بالحاجة إلى التخفّف من تلك الأثقال الروحيّة التي تثقل ضمائرنا ومشاعرنا، وذلك بالابتهال إليك لتغفر لنا ولتعفو عنّا وتستر علينا بسترك.. حتى نحصل على السعادة الروحيّة من فضلك فلا يشمت بنا الآخرون ممن يكيدون لنا من أعداء دينك، ولا يطعن عينا الطاعنون في ما يستغلونه من أخطائنا تجاهك للتحدّث عنا بألسنتهم بما لا يرضيك، ووفقنا ـ بعد ذلك ـ للثبات على خطّ الخروج من معصيتك، والاستقامة في الخط الذي يؤدّي إلى مواقع رضاك في ما تسبغه علينا من فضلك وتحنو به على مشاعرنا من لطف رأفتك.
---------------------
المصدر:
منقول
جريدة بينات
العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله
==============================
وكل عام وانتم جمعيا بخير ورحمة ومغفرة من الله تعالى