عرض المشاركة وحيدة
قديم 09-27-2007   #1
عروسة لبنان
«©»قمة العشق«©»
 
صورة عضوية عروسة لبنان
 
تاريخ الانضمام: Aug 2006
محل السكن: لبنان - الجنوب المقاوم
المشاركات: 14,393
سهم أبو العتاهية و شرطة المعتقل

حان وقت التشميسة ، فهرعنا من الزنازين و الشرطة تحرسنا ، الأبراج تنتصب فوقنا ، و عيون الرقباء ترصدنا من عَلٍ ، و الأسير الجديد الذي اقتيد جريحاً إلى السجن سمع له لأول مرة بالإنضمام إلى المعتقلين القدامى في تشميسة هذا النهار .. و مع أنه كان جديداً نسبياً ، فإن اخباره قد تسربت إلينا و كنت أعرف أنه قد وضع بين عملاء الزناين لاستدراجه ، و أنه لا بد قد اقتيد بمحض مصادفة أو خطأ ليتنزه بيننا فإن الشرطي العجوز قد أخرجه إلينا بغير تدقيق على ما يبدو ..



رصدته .. تأملته .. و لما مررت قربته و نحن نجتاز ساحة الشمس جيئة و ذهاباً انشدت :
وحده الإنسان خيـر من جليس السـوء عنده
و جليس الخير خير من جلوس المرء وحده
نظر إلي بطرف عينه و مضى في نزهته الاستثنائية التي لا بد انها ستنتهي بعد أقل من أربع دقائق لا غير ..
في زاوية الساحة وقف الأسير الجديد وحيداً و استند إلى الجدار و رفع عينيه إلى برج المراقبة .. صاح به الشرطي :
اخفض عينيك يا سجين إلى الأرض .. ممنوع عليك النظر لفوق ! مفهوم يا سجين ؟
أدار الأسير ظهره للبرج و وجَّهَهُ لي .. دنوت منه و أنشدت بصوت خفيض :
برمت الناس و أخلاقهم فصرت أستأنس بالوحـدة
ما أكثر الناس لعمري و ما أقلهم في حاصل العدة
بادرني الأسير الجديد بالسؤال :أتكتب الشعر ؟
قلت : لا .. بل أحفظه .. لكن عليك أن تبتعد عني ، فأنا أسير قديم و مشاغب !
قال : و ماذا أردت بالبيتين الأولين ؟
قلت : حاذر ممن أنت معهم .. إنهم ..
صرخ الشرطي من على باب ساحة الشمس زاجراً : هيه ! اسمع اذا تحدثت اليه مرة أخرى فسأرسلك إلى الزنزانة الإفرادية من جديد .. يا زلمي ألا تتوب ؟ لقد أخرجتك للتو منها ، فهل اشتقت إليها ؟
قلت : لا يا شرطي ، لم اشتق بعد .. ثم همست للجديد " وحده الإنسان خير " .. تم تركته و اتجهت لأنضم إلى السائرين في المساحة الصغيرة ، يدورون على أنفسهم و حول بعضهم ، و ينظرون خلسة إلى الأسير الجديد سابرين غوره ؟ و بذلك يرمون عصفورين بحجر واحد : التعرف عليه على غير انتظار منهم ، و اصطياد كمشة دفء من حرارة الشمس التي تشتهيها أجسادهم الني انهكتها رطوبة الزنزانات ..
دنا الجديد مني و هو يلتفت إلى الجهة المعاكسة ، لكنه غطى فمه و عطس قائلاً : الحمد لله .. مع ذلك فقد اقتنص فرصة انشغال الشرطي بالبحث في جيبه عن ولاعته و قال على عجل : كم تستمر فترة التحقيق ؟

همست : طالما لديهم أمل بأنك ستعترف ..
تابع الجديد المشي حتى آخر الشوط ، و تابعت أنا في الاتجاه المعاكس .. جاء الشرطي و اقتاده قبل الجميع إلى حبسه .
اقترب مني محمد و قال : إنه جارك في الزنزانة الإفرادية التي كنت فيها آخر مرة .. قال ذلك و مضى في الاتجاه الآخر .. صاح الشرطي : خلصنا .. روحوا غرفكم ، ثم مضينا بحراسة الشرطة و أدخلنا إلى الزنازين من جديد .. و كانت زنزانتي الحالية تجاور زنزانة السجين الجديد الإفرادية ، فعزمت على الاتصال به ، و ليلاً عندما أغلق الباب في الممر الرئيسي أنشدت بصوت مسموع :
هم القاضي بيت يطرب قال القاضي لما عوتب
ما في الدنيا إلا مذنب هذا عذر القاضي و اقلب
ثم أخذت أشرح : أي أن الشاعر يريد القول إذا قلبت لفظة عذر التصحيف تصبح غدراً .
دقائق مضت .. و إذ بالباب الرئيسي يفتح على عجل ، و يقتحم الممر ثلاثة رجال من الشرطة ، صرخ أحدهم ماشاء الله .. ما شاء الله صار عندكم مطربون !! من هذا الذي يغني ؟ من كان يغني ؟
قال جاري في الزنزانة هامساً : هذا شعر يا جاهل ، ألا تميز بين الشاعر و المغني ؟

قلت : لا ترفع صوتك ، سننفضح .. لكن قل لي ألم يطربك هذا الشعر ؟ ألم يلامس شغاف قلبك ؟
وقبل ان يجيب جاري في الزنزانة على سؤالي ، كانت دعسات الشرطي قد بلغت بابي ، طرق الشرطي حديد الباب بعنف و قال : من الذي كان يسب القاضي ؟ من كان يؤلف هذا الكلام ؟ اعترفوا ؟ و إلا والله والله أكلت الكرابيج من ظهوركم لحماً .. ألم نأمركم بالسكوت ؟ ألم نقل لكم أن النشيد و الحكي ممنوع ؟ و رفع الأصوات ممنوع ؟ هيه أنت ؟ اخرج يا رقم واحد .. يا رقم زفت ؟ هذا انت قد نهضت بعد أن كنت قد تظاهرت بالنوم .. قم ..
سبقني جاري في الزنزانة إلى الباب ليقول للشرطي مقدماً جلده لكرباج الشرطي : هذا أنا يا شرطي كنت أنشد الشعر و ليس رقم واحد ..
و قبل أن يقول الشرطي كلمة واحدة : كانت الزنزانة المجاورة تصدح بصوت واحد : هذا نحن يا شرطي و ليس هو .. ليس هو ولا جاره رقم واحد ..
و جارت أصوات متداخلة من زنزانة ثالثة لتصيح : إن الشعر قيل في غرفتنا يا شرطي ..
تقدمت إلى الباب متحدياً الشرطة و أنشدت بصوت جهوري :
و إذا انقضى هم امرئ فقد انقضى .. إن الهموم أشدهن الأحدث
ثم أضفت :
أنا من أنشد الشعر يا شرطي و ليس لي شركاء في الذنب العظيم هذا .. هيل لنمض إلى حيث تقضى الأوامر ..
ألبسني الشرطي الكيس على رأسي ، و أنزله حتى أسفل الذقن بإحكام كاد يسد على أنفاسي مسارب الهواء ، ثم وضع يدي في الأصفاد و قال حسابك عسير الليلة .. فأنت لا تقلع عن الشغب .. مالك و لهذا الكلام ؟ ألا يمكنك الكف عن التدخل بما لا يخصك ؟ و بمن لا يخصك ؟ إنه مذنب .. مذنب .. ذاك الذي تقرأ أشعاره !
لم أرد .. لم أجب بحرف واحد .. فكيف لهؤلاء الناس أن يفهموا أن الأسير الجديد يخصني جداً ، حتى لو كان رقمي واحد و رقمه ثلاثة آلاف ؟ فماكان مني إلا أن قلت :

مافي الدنيا إلا مذنب :: هذا عذر القاضي و اقلب !
تهادى إلى مسامعي صوت بعيد من سجن بعيد يضحك و يردد :
هذا عذر القاضي .. و اقلب ..
ما في السجن .. إلا مذنب ..
اقلب .. اقلب ..


--------------------------------------------------------------------------------

- مجلة بقية الله .

__________________
"الأ‘لفاظ هي الثياً‘ب التي ترٍتديها أفكاً‘رٍنا
..
فيجب ألاً‘ تظهرٍ أفكا‘رٍنا في ثياً‘ب رٍثة بالية"
عروسة لبنان غير متصل