أبو العتاهية في معتقل الخيام
طلبـت المستقر بكـل أرض :: فلم أر لي بأرض مستقـراً

طلبـت المستقر بكـل أرض :: فلم أر لي بأرض مستقـراً
أطعت مطامعي فاستعبدتني :: و لو أني قنعت لكنت حراً
جاء صوته من الزنزانة المجاورة ، مردداً هذه الأبيات لمرات و مرات ، وكأنني به يبحث عمن يبادله الشكوى و يضغي إلى آلامه التي يبدو أنه قد شارك بشكل ما في صنعها ، و لسبب لا أعرفه !
طرقت الجدار لمرات ثلاث ، فجاوبني جاري السجين بثلاث طرقات أخرى ، عرفت منه أنه فهم ما أرمي إليه ، نهضت و وقفت على باب زنزانتي و قلت له : قف على بابك لتسمعني جيداً ، أريد أن أقول لك شيئاً ؟؟
مضت لحظات صمت ، خشيت خلالها أن يكون جاري أصم ! يمكن سماع طرقات ثلاث ولا يستطيع سماع الكلمات ! مع ذلك فقد نهضت و وقفت خلف نويفذة الباب المشتركة بالقضبان و أنشدته :
أمني تخاف انتشار الحديـث :: و حظي في صونه أوفر
و لو لم يكن فيه معنى عليك :: نظرت لنفسي كما تنظر
انتهيت من انشادي أبيات أبي العتاهية و انتظرت رده ، لكن أحداً لم يقل شيئاً ، و مرت ساعة من السكون قطعتها خطوات الشرطي الذي طرق باب زنزانة جاري و جاء صوته مناجياً بالقول : " قم إلى مكتب التحقيق ، فهناك من يحتاج إلى .. على مهلك .. على مهلك ! "
جرحت عذوبة عبارة الشرطي أذني .. فأنا لم أسمعه يتحدث بهذه العذوبة إلى أي منا و لطول خبرتي بالنبرات و معانيها فإن ما رق على مسمعي لم يعجبني على الإطلاق ، خاصة و أن زميلي السجين جاري هذا .. يشكو تيهه في الأرض التي لم يجد فيها مستقراً !! إذاً ما الأمر يا يحيى ؟ فجاء البيت بشطره الأخير يرن : " و لو أنني قنعت لكنت حراً " .. إذاً ، في كلامه أسرار و في نفسه تتجاذب تيارات و تتلاطم أفكار متناقضة ..
نصف ساعة عبرت بخطوها الثقيل الرتيب ممرات السجن ، و لكن أقداماً أربعة لم تطأ الممر بعد ! و إذا بلحظة حاسمة تهبط من علياء الانتظار .. فالأقدام الأربعة تقترب من باب مسعد الذي دخل زنزانته و صوت الشرطي يناجيه : لو احتجت أي شيء .. في أي وقت ، نادني سأجيء فوراً إليك ..
دنا الشرطي في باب و صاح : هيه ؟ انت يا وجه الشؤم ؟ هل نمت ؟
أجبت : لا .. ماذا تريد يا شرطي ؟
قال الشرطي : أريد أن أتسلى بك قليلاً فالبرامج مملة على التلفزيون الليلة !
قلت : أليس لديك نُدَماء الليلة ؟ هل أنت وحيد يا شرطي
قال : الله وحده !
ضحكت من أعماقي هذا التشبيه المرير .. فجاء صوت الشرطي غاضباً :
- هل تضحك يا سجين ؟
- أبداً ، إنني أسعل .. البرد قارس و الأغطية خفيفة ، فهل تعطني غطاءً أضعه فوقي بدل هذه الخرقة التي اسمها بطانية ؟ إني بردان يا شرطي و أريد أن أتدفاً قليلاً ..
- هل تمزح معي ؟ كيف أعطيك غطاء و أنت لا تعطيينا شيئاً متمسكاً بأقوالك التي لا يصدقها المحققون ؟ يا زلمي فكر قليلاً شغل عقلك ! أمامك فرصة من ذهب .. إذا فكرت بالأمر .. و بتبديل موقفك ، أخبرني ، فإني مستعد لمساعدتك !
- و كيف ستساعدني يا شرطي ؟
- اعترف و ستتغير أمور كثيرة في حياتك صدقني ؟
ابتعدت دعسات الشرطي ، طرق جاري الجدار طرقات ثلاث و قال : قف على الباب يا جار؟
قمت إلى الباب و قلت : ها أنا مصغ إليك ، فماذا تريد أن تقول ؟
قال الجار : تصدقه .. لا تصدق شرطياً في هذا السجن ..
قلت لجاري بمودة : أنا لا أصدق شرطياً أبداً ، ولا أثق بالسجانين ، فلدي خبرة طويلة بهم ، و أنت ؟ هل تصدق الشرطة ، أعني .. هل صدقت هذا الشرطي بالذات ؟
قال الجار : اذهب إلى فراشك فأنا متعب .. متعب .. متعب !
صمت جاري .. فعدت إلى فراشي آوي إليه ، و أنا مستغرق بالتفكير في أمر هذا السجين الذي حيرني ! و في تلك الليلة لم أجد إلى النوم سبيلاً ، فلقد أقلقني حديث جاري و الأبيات التي سمعته يرددها ، و عند الفجر .. تنامى إلى مسمعي بكاء عميق مخنوق و موجوع !
مآذن الخيام تتوجه نحو الله بصلاتها عند هذا الفجر الحزين .. نهضت و طرقت الجدار ثلاث طرقات و قلت : انهض و توضأ ، لعلك تستريح ؟
جاءني صوته مخنوقاً : إني راكع طيلة النهار و جل ساعات الليل لكن نفسي كسيرة و قلبي غير مطمئن !
سألته بإشفاق : أفصح يا صاحبي ؟ ما بك ؟
قال : أنا لا أجد السلام مع نفسي ، و لا أجده كذلك معكم سجناء و سجانين ! جميعكم تعذبوني و تقلقون راحتي ، أتركوني ! ابتعدوا عني فأنا لا أريد الحديث مع أحد .. لقد ضجرت و سئمت الانتظار ..فالشهور تمر و الباب موصد دوني ، فكيف أستريح و الوعود تظل وعوداً بالخروج إلى المنازل و الأهل !
أدركت مرارة موقفه و حيرته ، و أحسست أن به كرباً ، مزدوج الوجه ، و أنه يفعل ما لا يطيق ، فأخذت أنشد :
ما أســـرع الأيام في الشهـر :: و أســرع الأشهـر فـي العمر
ليـــس لمــن ليسـت له حيـلة :: موجـودة ، خيـر مـن الصـبـر
فاخطُ مع الدهر على ما خطا :: و اجر مع الدهر ، كما يجري
مــن سـابق الدهـر كـبا كبـوة :: لـم يستقلها مـن خطـى الدهـر
سعل جاري بقوة و قال : نم ، بعد أن تؤدي صلاتك ، أما أنا فإني مثقل بالذنوب !
قلت مخففاً عنه همه : اسمع يا جار هذا الشعر قبل أن يأخذني النوم ، فأنت تحب الشعر و من يحب الشعر لا يمكنه أن يكون فاسداً أبداً ..
قال : أسمعني ؟
فأنشدته :
تنحّ عــن القبيح و لاترده :: و من أوليته خيراً فزده
ستلقى من عدوك كل كيد :: إذا كاد العـدو و لم تكده
التزم جاري الصمت و أنا كذلك ..
طلع النهار على السجون المقفلة ، و فاحت رائحة القذارة ، و أحد المعتقلين المكلفين بتنظيف فناء السجون يقوم بنقل الدلاء و تنظيف الباحة .. و جاب الشباب أبوابنا بصحون الاكل الذي يسمن ولا يغني من جوع !
رمى الشرطي لي من كوة زنزانتي الإفرادية قطعة خبز و ورقة فيها مقدار ملعقة صغيرة من اللبنة الجافة الحامضة .. و لما وصل إلى باب جاري الذي انتحب طويلاً طيلة ليلة الأمس قال له : خذ هذه علبة لحم و عشر سجائر و برتقالة كاملة .. تمتع فأنت تستحق النعمة هذه ، و المحقق راض عنك و سينقلك إلى غرفة يسكن فيها شباب طيبون مثلك .. هيا كل و بعد أن تنتهي من الأكل سأصطحبك إلى مكتب المحقق ، فإن لديه بعض الأسئلة ، جهز نفسك ، و لا تجعله يغضب منك .. مفهوم ؟ هيا ، خذ ، هذا كوب شاي آخر ، كل ، كل ..
أقفل الشرطي الباب عليه و جديد ، فأدكت أنه يغريني بالنعم الذي أنعم بها على جاري السجين .. فأخذت أنشد بصوت يمكن لجاري أن يسمعه :
لا تفــرحن بـما ظفـرت بـه :: و إذا نكبــت فأظـهــر الجلــدا
و إذا نطقت فلا تكـن هـذراً :: و اقصد فخير الناس من قصدا
و احفظ أخاك لما رجاك له :: و إذا دعــاك فكـن لـه عضــدا
و ارفع النواظر و كن سنداً :: فلقــد يكون أخو الرضا سنــدا
و تعاهــــد الإخــوان إنهــم :: زين المغيـب و زين من شهدا
مضى النهار و مسعد لا يحدث نأمة في زنزنته ، فظننت أن الشرطي قد أخذه على غفلة مني إلى مكاتب التحقيق منذ الصباح، و لما حل المساء و لا من أحد ، أصابني الحزن ، و جاري يبتلعه الصمت ولا من خبر عنه ولا من هسيس عشبة تنبئ بما جرى !
عند منتصف الليل رنت الأصفاد مرتطمة بالباب الحديدي لزنزانة مسعد ، قمت على عجل أصيخ السمع ، جاءني صوت الشرطي يصيح حانقاً : سنصلبك على العامود كل يوم إن كررت ما فعلته اليوم .. والله لن تذوق طعم الخبز و لن تشرب الماء .. و سأجعلك الليلة تنام على الأرض العارية .. ما بك ؟ قبل أيام كنت ناعماً و اعترفت عليهم ؟ كانت أخبارك جيدة و رضى المحقق عنك .. أي عفريت ركب رأسك و غير رأيك ؟ قل ؟ كنا سنفرج عنك لم تابعت التعاون معنا ، و لخرجت و لأصبح حالك ممتازاً يا أبله .. أنتم حمقى فأنا لا أعرف ماذا أصابك بعد أن كنت قد أصبحت حسن السلوك هل صدقت أنني سأتركك تنام ؟ أبداً .. فانا سأعيدك بعد قليل إلى مكتب المحقق ، بعد أن يستريح المحقق من وجهك .. و عليك أن تقر بما تعرفه ..
مضى الشرطي صاخباً ، و أقفل قبل ذهابه باب جاري مسعد بقوة طاغية .. عندها دنوت من كوة الباب و أخذت أنشد :
رغيف خبز يابس :: تـأكـــله فــي زاويــة
و كـوز مـاء بارد :: تـشـربـه مـن صافيـة
و غـرفــة ضيـقة :: نــفسـك فيــها خاليــة
أو مسجـد بمعزل :: عن الورى في ناحية
تدرس فيه دفتــراً :: مــســتنـداً بســاريــة
و إذ بصوت مسعد يأتي مبحوحاً لكن قوياً يعبر عن صلابة كانت خافية :
معتبراً بمن مضى :: من القرون الخالية
خير من الساعات :: في القصور العالية
تعــقبــها عقــوبـة :: تصلى بنــار حامية
فهــذه وصيــتـــي :: مـُـخــبـِـرَة بحاليـَـه
طوبى لمن يسمعها :: تلك لعمري كافيـة
فاسمع لنصح مشفق :: يدعى أبا العتاهية
جاءت الأصوات منطلقة من جميع الزنزانات المجاورة لنا :
رغيف خبز يابس :: تـأكـــله فــي زاويــة
و كـوز مـاء بارد :: تـشـربـه مـن صافيـة
و غرفة ضيقة ، او مسجد بمعزل ، معتبراً بمن مضى فهذه وصيتي ..
رغيف خبز يابس ..
أو مسجد بمعزل ..
تدرس فيه دفتراً ..
و غرفة ضيقة .. نفسك فيها .. خالية !
--------------------------------------------------------------------------------
- مجلة بقية الله .
__________________
"الأ‘لفاظ هي الثياً‘ب التي ترٍتديها أفكاً‘رٍنا
..
فيجب ألاً‘ تظهرٍ أفكا‘رٍنا في ثياً‘ب رٍثة بالية"
آخر تحرير بواسطة عروسة لبنان : 09-24-2007 الساعة 04:52 AM.
|