لكن التوصل إلى حل وسط مع أوروبا القديمة وروسيا (ناهيك عن الصين) هو أمر صعب. فالدافع وراء الحرب على العراق لم يكن مجرد السيطرة على النفط العراقي لصالح شركات النفط الأمريكية، ولكن كان قبل كل شئ وضع نهاية لما رآه المحافظون الجدد الطبيعة المائعة للاستراتيجية الأمريكية الكونية في التسعينات، وذلك بهدف الهيمنة على أهم المواد الخام في العالم، وهو النفط، حتى تكون الولايات المتحدة قادرة على السيطرة على القوى العظمى الأخرى لتأمين "القرن الأمريكي الجديد".[5]
وحتى لو أصبحت الإدارة الأمريكية مجبرة على إجراء مساومات كاملة مع أروربا وروسيا والصين، فإنها سوف تحاول قبل ذلك أن تؤكد قوتها. ومن ثم فإن شن هجوم جديد على الشرق الأوسط لن يكون فقط ممكنا، لكنه سيكون مرجحاً.
إن الحرب الإسرائيلية على لبنان كانت من وجهة نظر الإدارة الأمريكية انعطافة استهدفت تسهيل إهانة إيران. لكن الانعطافة تحولت إلى طريق مسدود. والآن، سوف تتجه غرائز إدارة بوش إلى السير في الطريق الرئيسي للقيام بهجوم من نوع ما ضد إيران. لكن مشكلتها هي أن ذلك الطريق وعر ومليء بالحفر العميقة التي يمكن أن تأخذ هذه المحاولات إلى الهاوية – وهذه الحفر العميقة هي سيطرة الشيعة على جنوب العراق، والثقة والقوة المتزايدة لحلفاء إيران في لبنان، والتعاطف الجارف عبر العالم الإسلامي تجاه أولئك الحلفاء باعتبارهم القوة الوحيدة خلال 58 سنة التي استطاعت ضرب الجيش الإسرائيلي.
ويحذر المعهد الملكي للشئون الدولية من أنه: "هناك إمكانية حقيقية جداً لأنه في حالة قيام الولايات المتحدة بالهجوم على إيران، فإن الأخيرة سوف تلحق بها هزيمة ساحقة في العراق، وستشعل الحرب على الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط بأكملها. وحتى الآن، فإن القوى متعددة الجنسية في العراق تكافح من أجل التأثير على التطورات السياسية في منطقة جنوب ووسط الفرات، مناطق الأغلبية الشيعية، بينما لا يزال تمرد العرب السنة يحظى بوجود قاتل يوقع الخسائر الكارثية في صفوف قوات الأمن العراقية الوليدة وداعميها من الأمريكيين. ويمكن أن يصبح هذا الوضع أكثر خطورة في حالة التدخل الإيراني، إلى الحد الذي يجبر التحالف على الرحيل عن العراق، تاركا أيران لا باعتبارها القوة المهيمنة التي لا يمكن إنكارها في العراق فحسب، ولكن أيضاً باعتبارها العنصر المسيطر في الخليج بلا منازع."[6]
إن ما نشهده الآن هو إزمة حادة بالنسبة للإمبريالية الأمريكية التي تواجه خيارين كلاهما مر، الأول هو الانسحاب في ظل المأزقين العراقي واللبناني، ولكن ذلك يعني الإقرار بأن التوجه نحو الحرب "بلا نهاية" من أجل الهيمنة الأمريكية التي لا ينازعها أحد قد فشل. ويترتب على ذلك تحمل العواقب المرتبطة بخسارة نفوذ المحافظين الجدد في الداخل، وعجز الولايات المتحدة عن أن تمد نفوذها إلى الخارج. والخيار الثاني هو الرهان بقوة على شن هجوم على إيران، أو على الأقل، شن إسرائيل هجوم آخر على لبنان. ورغم المخاطر الكبيرة لهذا الطريق، إلا أنه يبقى الطريق المرجح أن تسير فيه الولايات المتحدة.
إن الحيوان الجريج هو حيوان خطير، وربما من الممكن أنه قبل أن يقرأ الناس هذه السطور، نكون قد أصبحنا أمام حرب جديدة على نطاق أكبر في لبنان، أو أمام هجوم أمريكي على إيران. كما أن هناك أيضاً احتمالات قائمة لأن تحاول القوات الفرنسية والإيطالية في لبنان نزع سلاح حزب الله بفعل الضغط الإسرائيلي.
أكدت حرب الـ33 يوماً على الطبيعة التي لا يمكن التنبؤ بها لـ"الحرب بلا نهاية" لبوش، وعلى الطريقة التي يمكن أن تُولّد من خلالها تلك الحرب انفجارات مما يؤدي إلى إلقاء دول بأكملها في أتون الأزمة، وإلى تغيير أفكار الشعوب في المناطق الأخرى. وتلك ليست هي المرة الأولى التي سيحدث فيها ذلك، ولن تكون الأخيرة. كما أنها لن تكون المرة الأخيرة التي نرى فيها مقاومة كاسحة – مقاومة تستطيع أن تهز الحركات العميلة للإمبريالية في الشرق الأوسط وتدفع حركة مناهضة الرأسمالية في البلدان الرأسمالية الكبرى إلى الأمام.
Chris Harman