أبــو تــمــام إمــام مــدرســة الــمــجــدديــن
نــســبــه و مــولــده
هو حبيب بن أوس بن الحارث الطائي , من طيء صليبة ( أصلاً ) كما ذكر صاحب كتاب الأغاني , و قيل : إنه كان منها بالولاء لأن أباه كان نصرانياً يسمى ( تدوس ) العطار , فغيرها من أنه من طيء صليبة إلى أوس و لفق نسباً في زعم ليس فيه إلا عشرة آباء مع أنه لا يصلح أن يكون بينهما أقل من ستة عشر آباً .
و الحقيقة أنه كما ذكر عبدالمتعال الصعيدي في كتابه عن المدرسة أن من استطاع أن يلفق عشرة أباء لن يعجزه أن يلفق ستة عشر إذا كان ذلك لازماً علماً بأنه لا يمكن القطع بالأعمار طولاً و قصراً , فقد يكون عمر ستة عشر أباً مثل عمر عشرة آباء و كذلك نزعة أبي تمام إلى تقليد الشعراء الأوئل و إلى الفخامة اللفظية ترجح أنه كان عربياً يتعصب إلى قديم العرب و لو سُلِمَ أن أباه كان نصرانياً لم يقدح بشيء في أنه كان عربياً صليبة لأن النصرانية كانت قديمةً في طيء و غيرها من قبائل العرب و كذلك لو سُلِمَ أن أباه كان اسمه ( تدوس ) لأن من نصارى العرب من كان يؤثر هذه الأسماء الرومية بتأثير ديانة النصرانية .
كان مولد أبي تمام سنة 190هـ / 805 م بقرية من قرى منبج يقال لها حاسم على مقربة من دمشق فكان مولده في بيئة عربية ترجح كذلك عربيته على أن كل ذلك الخلاف لا يهم بشيء في دراسة أدب أبي تمام و ذلك أن البيئة التي ولد فيها صهرت كل من كان بها بل لم يكن لهذه النزعة أثرها في عصره كما كانت عظيمة الأثر في عصر بني أمية حين كان العرب ظاهرين على غيرهم فكان التميز بالنسب .
نــشــأتــه و ســيــرتــه
نشأ أبو تمام بين أبوين فقيرين فلم يرض بعيشة الفقر بينهما فنزح إلى مصر و هو غلام طالباً للرزق و أقام بمسجدها خمس سنين و يقال : إنه كان يسقي الماء بالجرة فيه و هذا يدل على أنه يميل لطلب العلم بجوار السعي على لقمة العيش .
لقد تعلم العربية و آدابها و حفظ ما لا يحصى من الشعر و يقال : إنه حفظ 14000 أرجوزة غير القصائد و المقطعات ثم أخذ يقرض الشعر على طريقة التقليديين حتى نبغ و صار إماماً يقتدى به و يحذو الشعراء حذوه ثم عمد إلى التكسب بالشعر فاشتهر أمره و ذاع و ساعده على ذلك فصاحته و طيب كلامه و إن كان فيه تمتمة يسيرة لم يكن يحسن معها إنشاد شعره فكان ينشده غلامه و كان حاضر الذهن سريع الجواب حتى أنه لم يعرف من أهل زمانه مثله في حدة الخاطر .
و يحكى عن أبي تمام أنه مدح أحمد بن المعتصم فقال : ــ
إقدامُ عمرو في سماحةِ حاتمٍ
في حلمِ أحنفَ في ذكاءِ إياسِ
و كان الفيلسوف ( الكِنْدِي ) حاضراً , فقال : الأمير فوق ما قلت فأطرق أبو تمام قليلاً و قال : ــ
لا تنكروا ضربي له مَنْ دونه مثلاً شروداً في الندى و الباسِ
فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلاً من المشكاةِ و النبراسِ
فأخذوا القصيدة من يده فلم يجدوا فيها هذين البيتين فعجبوا من سرعته و فطنته , فلما خرج قال الكندي : ــ
هذا الفتى يموت شاباً لأن حدته و ذكاءه يجعلان نفسه تأكل جسمه كما يأكل السيف المهند غمده فصحت فراسته و مات في حدود الأربعين من عمره سنة 231 هـ
مــنــزلــتــه الــشــعــريــة
يعد علماء الأدب أبا تمام رأس الطبقة الثالثة من الشعراء المحدثين بلا منازع حيث كان يغوص وراء المعاني الدقيقة و الاستعارات و الكنايات الخفية و كان يخترع المعاني اختراعاً لم يعهد عند الأوائل .