دخلَتْ قُبيلَ عصرِ ذلك اليوم، تحمل في يدها محقنة وحبابة دواء، وقالت لي بعد أن حيَّتني: "جئتُ آملةً في أن أجدَ من يحقنَني هذه الزجاجة وريدياً، فقد تفاقم عندي الشعور بالضيق من التهاب اللوزات، ولولا ضغطُ العملِ لديَّ، لأمكن لإحدى ابنتيّ أن تحقُننيها في البيت، فهل لديك مجال لذلك؟"
أي لطفٍ وأية رقةٍ في ذلك الطلب، ثم كيف لا، وهي المرأة الوسيمةُ الفاتنةُ، التي تنضحُ أنوثةً وغراماً، رغم أنها حتى قبيلَ تلكَ اللحظة لم تكن تعني لي كلَّ هذه الصفات، نعم لم تكن تعني لي سوى جارة جديدة ودودة دمثةِ الخُلُقِ والمعشر، ليس لي أو لديها غايةٍ أو مرام.
صحيحٌ أنها في الثامنةِ والثلاثين، لكنك لا تبيحُ لنفسك أبداً أن تُقدِّرَ عمرَها بأكثرَ من السابعة والعشرين، مهما غاليت.
أشرْتُ إليها مرحباً ودخلنا غرفةَ المكتب التي لم تمانع بدخولها والجلوسِ على أريكة خلف الباب (إمعاناً منها، على ما اعتقدتُ حينها، في الإفراط بالثقة بالنفس).
حضَّرتُ الحُقنة، وبدأت تدور في ذهني الإفكار، التي حاولت أن أطردها ما استطعت، وبدأت أصابعي ترتجف وأنا أمسك ساعدها الرُّخاميَّ وأغرس حقنتي في طية مِرفَقها، وبدأت أشعر بذلك التيار ذي الطبيعة المجهولة الذي بدأ ينتقل عبر جسدينا. ولم يعد هناك مجال للتخلص من شَرَكِه، رغم ما أبدته لي من اعتيادية الأمر، وعدم خروجه عن المألوف بالنسبة إليها، خاصة وأنها تابعت التحدث معي في أمور شتى، وبلسان ثرثار، لا يركن للهدوء إلا ما ندر.
وضَعَتْ إصبعاً ضاغطاً على الدُّثار، ونهضَتْ وهي تتكلمُ بأحاديث لم أكنْ أعيها، رغمَ ادعائي ذلك أمامها.
خرجت من الغرفة لألقي بالمحقنة في سلة المهملات، وكانتْ هي ترفع صوتها بالحديث حتى تسمعني، وحتى تؤكد لي على ما يبدو، نواياها الحسنة ومقاصدها المعلنة، لكنني بالرغم من ذلك لم أتمكن من المقاومة، وخذلتني نفسي عندما مررت بقربها ثانية ……فأدنيتُ من رأسِها رأسي…… فكانت مفاجأتُها كبيرة… واستغربَتْ أن يبدر مني هكذا تصَرُّف.
"معقول؟! معقول؟! أيعقل أنك تحت أثر مخدر أو مشروب ما؟!"
وهنا بدأت أتوسل في الغفران، وإنداحت مني عبارات الإعتذار والأسف. فقالت: "كلكم هكذا أيها الرجال .. صحيح أنني لم أتعرض لمثل هذا الموقف من قبل، ولكن .. فزادت محاولات اعتذاري وأمسكت يدَها بكل قوتي، وجلسْتُ بقُربِها مؤكداً أنَّ سوءَ تصرفٍ كهذا لن يتكرر، راجياً منها أن تنساه، وأن أبقى في نظرها ذلك الجار الودود الذي لا يريد أن يخسر مكانتَهُ لديها.
وعَدَتْ بذلك وخفَّ شعورُها بالإنقباض، الذي ربما كانت تتصنَّعُه، وهمَّت بالمغادرة، فألححت بلزوم قبولِها شُربَ فنجانٍ من القهوة، التي كنتُ قد طَلَبتُ من المُستَخدَمِ تحضيرها، وكان ذلك الصبيَّ قد حضر قبل قليل، وربما قَلَبَ ذلك الحضورُ، سيرَ الأمورِ بما لا يلائم كلا رغبتينا. لكنها جلسَتْ ثانيةً وجلسْتُ أنا وراءَ مكتبي، أصوغُ تأسفي بعبارات أقلُّ تشنجٍ وأكثرَ بلاغةٍ، حتى انتهينا من شُرْبِ قهوتنِا، فخرجْتُ خلفها مودعاً، وأخذت عنها عهداً بأن تنسى ما حصل، وأن لا تُخسرَني ثقتَها، فلن أسامح إذاً نفسي أبداً.