|
|
|||||||
| المنتدى الادبي كل ما له علاقة بالادب والبلاغة |
المديح النبوي الأندلسي بين لسان الدين وابن جابر
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#6 | |
|
عضو مطرود من المنتدى
تاريخ التسجيل: Jul 2008
الدولة: K$A
المشاركات: 2,077
نقاط: 2,070
|
وبالإضافة إلى ذلك تحدث ابن جابر عن غزوة بدر الكبرى، ووصفها وصفاً دقيقاً، استمده من القرآن الكريم وكتب السيرة، تكلم فيه عن بطولة الرسول (ص) وصحابته، وعن تأييد جبريل والملائكة لهم، وعن رميه (ص) بالحصى في أوجه المشركين، ثم عن المعركة، وعدّد أسماء كل من الطرفين، وانتصار المسلمين وهزيمة المشركين تاركين قتلاهم الذين رماهم المسلمون في القليب، وتقريع الرسول (ص) لهم، فقال([45]): بدا يوم بدر وهْو كالبدر حوْلَهُ كواكبُ في أفق المواكب تنجلي وجبريل في جند الملائك دونه فلم تغن أعداد العدو المخذل رمى بالحصى في أوجه القوم رمية فشرّدهم مثل النعام المجفل أغذّوا سراعاً يهربون كأنما تحوّل منهم بطشُ أيْدٍ لأرْجُل وجاد لهم بالمشرفيٍّ فسلَّموا فجاد لـه بالنفس كل مُجَّدل عبيدةَ سلْ عنهمْ وحمزةَ واستمع حديثهم في ذلك اليوم من عل فهم عتبوا بالسيف عُتبة إذ عدا فذاق الوليد الموت ليس لـه ولي وشيبة لما شاب خوفاً تبادرتْ إليه العوالي بالخضاب المعجَّل وجال أبو جهل فحقّقَ جهله غداة تردّى بالردى عن تذلل فأضحى قليباً في القليب وقومه ففتَّح من أسماعهم كل مقفل وجاء لهم خير الأنام موبخاً يؤمونه منها إلى شرٍّ منهل وأخبر ما أنتمْ بأسمعَ منهمُ ولكنهم لا يهتدون لِمقْوَل كما عدد ابن جابر أيضاً معجزات الرسول (ص) الكثيرة، مثل كلام البعير معه، وتسبيح الحصى في يده، وحنين الجذع إليه، وانشقاق البدر، وتظليل الغمام، واخضرار الدوح بعد جفافه، وتكليم الميت وقيامه، وشهادة الضب على نبوته، وطاعة الغزالة له تعداداً جعله يبتعد عن الشعر ليقترب من النظم العلمي، فقال([46]): ذو المعجزات المعجزات لكل من في صدره دغل ثوى وتجلجا نطق البعير لـه وسبَّحتِ الحصى والجذع حنَّ لـه بصوت قد شجا والشمس بعد غروبها رُدت لـه والبدر بين يديه شُقَّ وأفرجا وإذا مشى كان الغمام يظلّه كرماً إذا لهبُ الهجير توهجا والدوح أورق بعد يُبس عندما وافى ومدَّ عليه ظلاً سجسجا والميْت كلَّمه وقام بأمره يمشي وفي أكفانه قد أدرجا والضبُّ قال شهدتُ أنك مرسل للعالمين فمن أجاب فقد نجا هذي الغزالة إذ أطاعت أمره وجدت سبيلاً للنجاة ومخرجا وتحدث ابن جابر أيضاً عن معجزة الرسول (ص) الخالدة، وهي القرآن الكريم، الذي نرى فيه العظات والتبيين والتفصيل وعلم الأولين والآخرين والحلال والحرام، كل ذلك بأسلوب سام معجز، تحدى الله الإنسان والجن على أن يأتوا بسورة منه فعجزوا، وخذلوا على الرغم من فصاحة العرب وبلاغتهم، وأنه جاء بلغتهم، فقال([47]): وجاءكم بكتاب فيه موعظة للسامعين وتبيينٌ وتفصيلُ وفيه أودِع علمُ الأولّين وعلـ ـم الآخرين وتحريم وتحليل علا اتساقاً ونظماً ليس مِن بشرٍ فللمعارِض تعجيزٌ وتخذيل والعرْب عن سورة من مثله عجزوا في وَفْرِهم وهُمُ اللُسْن المقاويل
|
|
|
|
|
|
|
#7 |
|
عضو مطرود من المنتدى
تاريخ التسجيل: Jul 2008
الدولة: K$A
المشاركات: 2,077
نقاط: 2,070
|
وعلى الرغم من احترام المسلمين لجميع الرسل وإيمانهم بهم، فإنهم فضلوا نبيهم محمداً (ص)، ولا غرو في ذلك، فالله سبحانه وتعالى قد فضله على خلقه جميعاً، واعترف الرسل عليهم السلام بفضله عليهم، إذ ائتموا به ليلة الإسراء في بيت المقدس وصلى بهم، كما أنهم يُحشرون يوم القيامة تحت لوائه، وقد ذكر ابن جابر ذلك فقال([48]): إمامُ جميع الرسل ليلة إذ سرى فصلى بهم في محفل أيِّ محفل ويأتي غداً والرسل تحت لوائه وقد خُصَّ فيهم بالمقام المفضَّل كما فضل ابن جابر الرسول (ص) على غيره من الرسل عليهم السلام بالشفاعة يوم القيامة، إذ يستشفع الناس من هول القيامة بالرسل فلا يستطيعون أن يجيبوهم ويشفعوا لهم، ثم يشير عيسى عليه السلام عليهم أن استشفعوا بمحمد (ص) لأن قوله الحق، فيأتون محمداً (ص) مستشفعين، فيقول لهم أنا كفيل بها، فيدعو ربه ويشفع للمؤمنين، وهنا يصيخ الناس لصوت الحق المهيب قائلاً: لقد أوتيت سؤلك يا محمد، فيتنفسون الصعداء، وقد صور ابن جابر ذلك بصورة قصصية زادها الحوار والحركة جمالاً، فقال([49]): له الشفاعة حيث الرسل جاثيةٌ وكل شخصٍ لهول الحشر مخبولُ وجاءت الخلق أفواجاً ليلتمسوا لهم شفيعاً وما في الأمر تمهيل وحيث جاؤوا رسولاً قال لست لها فليس لي عن مقام الخوف تحويل حتى إذا ما أتوا عيسى يقول لهم أمرُ الشفاعة للمختار موكول فقولـه الفصل لا ردٌّ ولا فندٌ إذا تُرَدّ على الناس الأقاويل حتى إذا سألوا المختار قال لهم أنا لذاك ولي بالأمر تكفيل هناك يُدعى به سلْ تُعط وادعُ تُجب واشفع تُشفَّعْ فوعدُ الله مفعول وللسبب نفسه وصفه ابن جابر بنجم الهدى إذا كانت الرسل سماء، وبالبدر إذا كانوا نجوماً، وبواسطة العقد إذا كانوا جواهر، فقال([50]): إن تحسب الرسل سماءً قد بدت فإنه في أفقها نجم هدى وإن يكونوا أنجماً في فلكٍ فإنه من بينهم بدرٌ بدا واسطة السلك إذا ما نظموا وملجأ القوم إذا الخطب عدا لذلك بشر به الأنبياء من قبله، مثل موسى وعيسى عليهما السلام، كما بشر به أيضاً الأحبار والرهبان وسطيح وشقّ وسيف بن ذي يزن وبحيرا وقُسّ وغيرهم، حتى لم يخل جيل من علامة لبعثته، لقد اتفقوا جميعاً على هذا الأمر على الرغم من اختلاف بلادهم ولغاتهم وأجناسهم وأزمنتهم ومشاربهم، قال ابن جابر([51]): لمبعثه من كل جيل علامة على ما جلته الكتب من أمره الجلي فجاء به إنجيل عيسى بآخر كما قد مضت توراة موسى بأول لأحبارهم في حسن أخبارهم نبا نبا عنه حد الحاسد المتأوُّل علا جدُّ (سيفٍ) حين بشَّر جدَّه([52]) بذلك تنبيهاً على قدره العلي وإن بحيرا أمَّ مرآةَ علمِهِ فأبصره فيها بعين التخيُّل وقد قام قسٌّ في عكاظَ يقصُّ من نُبُوَّتِهِ ما قاله كلُّ أفضل وأرشدت الرهبانُ (سلمانَ) نحوه وقالوا لذات النخل يثربَ فارحل ولم يكتف ابن جابر بمدح الرسول فحسب، وإنما مدح كل من شرف بالقرب منه، مثل المهاجرين الذين مدح نسبتهم إلى قريش التي نظرت القبائل العربية إليها نظرة خاصة، واحترمتها لانتمائه (ص) إليها، ومدحهم أيضاً بالبشر والجود والعز بكرامتهم عند الله الذي ينجي من يحبهم، ويدخل النار من يبغضهم، فقال([53]): همُ قريشٌ وما أدراك من ملأٍ مِنْ نيلهم قد جرى في مصرهِمْ نيل قومٌ وجوههمُ بشْرٌ وأنملهم بذلٌ وربعمُ بالعز مأهول ويا مرادك من قوم محبهمُ ناجٍ وشانيهمُ في النار مملول تضيءُ أحسابهم ليلاً وأوجههم كأنما في الدجى منها قناديل كما مدح أيضاً الأنصار الذين شرفوا بنصرتهم للنبي (ص) ومساعدتهم للمهاجرين في دحر الشرك وإعلاء كلمة الله تعالى، ونعتهم بجمال الوجه وكرم الفعل ورجاحة العقل وحسن الصبر والشجاعة في الحرب، فقال([54]): وساعدتْهمُ من الأنصار طائفةٌ بها غدا الشرك قِدْماً وهْو مخذولُ زُهْرُ الوجوه كرام الفعل عندهمُ لكل صعب من الأشياء تذليل يمشون مشي الأسود الضاريات إذا ما صاحت الحرب في أبطالها جولوا
|
|
|
|
|
|
#8 |
|
عضو مطرود من المنتدى
تاريخ التسجيل: Jul 2008
الدولة: K$A
المشاركات: 2,077
نقاط: 2,070
|
ثم إن ابن جابر خص آل البيت والعشرة المبشرين بالجنة من الصحابة رضي الله عنهم بقصيدة طويلة مدحهم بها وعدد مآثرهم واحداً واحداً([55]). كما تفردت المدينة المنورة أيضاً على جميع البلاد بأنها ضمت جثمان الرسول (ص) بين حناياها، الأمر الذي جعلها أشرف البلاد مثلما قال ابن جابر([56]): لقد فضلتْ كل البلاد بأسرها كما أن من حازتْه قد فَضَل الخلقا وما ضمَّ أعضاءَ الرسول فإنه أجلّ مكان لا خلاف هنا يبقى وليس لهذا من نظير بغيرها وقد حازت التفضيل لا شك والسبقا وهنأ ابن جابر أهل المدينة على مر العصور بسكناهم فيها وجوارهم للرسول (ص)، ونصحهم بالبقاء فيها مهما جار الزمن عليهم، فيكفيهم حسن الجوار، قال([57]): هناؤكمُ يا أهل طيبة قد حقا فبالقرب من خير الورى حزتمُ السبقا فلا يتحركْ منكمُ ساكنٌ إلى سواها وإن جار الزمان وإن شقا بل إنه قد هنأ المسلمين على اختلاف أجناسهم وبلادهم لتشرفهم بالانتماء إلى دين محمد (ص)، ذلك الانتماء الذي أعلاهم على جميع الأمم، فقال([58]): يا أمة المصطفى المختار يهنئكم هذا الرسول به بين الورى صولوا فأنتمُ اليوم أعلى أمة ولكم أعلى النبيين هذا العز والطول كما خاطب ابن جابر الرسول (ص)، وكأنه واقف أمامه، يراه ويسمعه، وقد دفعه إلى ذلك ما دفع لسان الدين وغيره من الشعراء مما أشرنا إليه من قبل، قال([59]): إليك رسولَ الله جبنا الفلا وخْدا ولولاك لم نهو العقيق ولا الرندا ولولا اشتياقي أن أراك بمقلتي لما كنت أشتاق الغُوير ولا نجدا ومن أجلكم أصبو إذا هبت الصَّبا تجر صباحاً فوق أرضكمُ بُردا وكان ابن جابر يبغي من وراء مديحه هذا ـ بالإضافة إلى التعبير عن حبه للرسول (ص) وتعظيمه وغير ذلك ـ أن ينال شفاعته (ص) ليمحو بها ذنوبه ويقوي بها ضعفه، قال([60]): يا سيد الرسل عبدٌ قد أتى وله من سالف الذنب تخويف وتخجيل يرجو شفاعتك العظمى إذا اشتعلت نار على من عصى منها سرابيل وقد أتيت بضعفي ما أتاك به كعب على أن باعي ما لـه طول فإن قبلتَ ونالتني مراحمُ قد نالته لم يبق لي من بعدها سول ولقد أنهى ابن جابر معظم مدائحه النبوية بالصلاة على النبي وعلى آله وصحابته، والتي غدت تقليداً لدى كثير من شعراء المديح النبوي، وتفنن فيها تفنناً جميلاً، إذ عبر عن ديمومة صلاة الله على النبي بدوام سجع الحمائم على الأغصان، فقال([61]): صلى عليك إله العرش ما سجعت وُرقٌ لهن على الأغصان تهديل أزكى صلاة تعم الآل واصلةٍ صحباً همُ للورى زينٌ وتحجيل وبعد، نستطيع أن نقسم مديح ابن جابر النبوي إلى قسمين: قسم أقرب إلى الطبع، وهو الذي تحدثنا عنه من قبل. وقسم هو أقرب إلى التصنع، يمثل روح الأدب في القرن الثامن الهجري خير تمثيل. وهذا القسم الثاني أيضاً على نوعين: نوع تمثله قصيدته التي سماها ((المقصورة الفريدة)) وبدأها بقوله[62]) بادر قلبي للهوى وما ارتأى لما رأى من حسنها ما قد رأى ولقد بناها، أو جعل رويها الألف، كما هو واضح من اسمها، ولكنه لم يكتف بذلك، إذ التزم قبله حروف العربية حرفاً حرفاً، نظم على كل منها عشرة أبيات، وختمها بتقريظه لها، وبمدح الأنصار والدعاء لهم حتى بلغت سبعة وثمانين ومئتي بيت، وهذا يذكرنا بصنيع المعري في ((لزومياته)). وأما النوع الثاني من القسم الثاني من مدائح ابن جابر، فتمثله بديعيته التي سماها: ((الحلة السِيَرا في مدح خير الورى)) والتي عرفت فيما بعد ببديعية العميان، لأنه كان أعمى، وقد شرحها صديق عمره أبو جعفر بكتاب سماه ((طراز الحلة وشفاء الغلة))([63]). وأولها: بطيبة انزل ويمم سيد الأمم وانشر له المدح وانثر أطيب الكلم([64]) وقد وصل إليها ابن جابر بتطويره للمدحة النبوية، وبتأثره ببردة البوصيري الشهيرة من جهة، وبالنظم العلمي الذي برع فيه من جهة ثانية، وابتكر بها فناً كبيراً من فنون الأدب العربي فكان رائداً له، وهو فن البديعيات، وهي قصائد ميمية من البحر البسيط في المديح النبوي يحتوي كل بيت منها نوعاً من أنواع البديع، ولكنه يحتاج إلى شرح واف حتى يفهم. ومن الباحثين([65]) من جعل مبتكرها ابن جابر وأنا واحد منهم، ومنهم([66]) من جعله صفي الدين الحلي، وهو معاصر له، ولقد رجحت سبق ابن جابر لأنهم متعاصران، ولأن شارحها أبا جعفر قد صرح بسبقها، وهو معاصر لابن جابر وللحلي معاً. ولأن بديعية الحلي تفوّقت على بديعية ابن جابر، الأمر الذي يشير إلى أنه قد أفاد من قصيدة ابن جابر وتلافى ما رآه فيها من مواضع ضعف. ومهما يكن من أمر فإن ابن جابر في صنيعه هذا قد غدا مَعْلماً من معالم الأدب والبلاغة في تاريخ اللغة العربية، ولقد أثنى عليها السيوطي ووصفها بعلو نظمها([67]). وعلى الرغم من أن جل اهتمام ابن جابر قد انصب على الجانب البلاغي فيها، إلا أنه سار في معانيها سيره بمعاني غيرها من مدائحه النبوية تقريباً، لذلك لا نجد في معانيها جدة أو جهداً يوازي الجهد المبذول في الجانب البلاغي منها. إنه بدأها بذكر طيبة والدعوة لزيارة الرسول (ص)، وضمّنها تغزلاً نبوياً، ثم مدح الرسول، وتحدث عن بعض معجزاته وختمها بالاعتذار منه، لأنه لم يستطع أن يوفيها حقه في المديح مهما أطال. وعلى الرغم من التشابه بين هذه البديعية ومدائح ابن جابر النبوية في المعاني والعاطفة والممدوح وغير ذلك، إلا أن هناك فارقاً كبيراً بينهما، نستطيع أن نوجزه بقولنا: إن الفن كان يغالب الصنعة في المدائح النبوية، بينما غلبته الصنعة في هذه البديعة، واتضح ذلك وقوي فيما جاء بعدها من بديعيات، لا نستطيع أن نجد فيها للفن إلا رسوماً دارسة وظلالاً باهتة، الأمر الذي أخرجها من دائرة الشعر إلى دائرة النظم العلمي في علوم البلاغة، وإن لم تصل إلى درجة ألفية ابن مالك وغيرها([68]). وأخيراً بعد دراستنا السريعة للمدائح النبوية لدى لسان الدين ومواطنه ومعاصره ابن جابر، نستطيع أن نجد بعض أوجه التشابه إلى جانب بعض نقاط الاختلاف بين مديحهما النبوي، ونستطيع أن نجمل أوجه التشابه بينهما بما يلي: تشابه المعاني لأنها مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. وصدق العاطفة وتدفقها ونبضها بالحياة في كثير من الأحيان على الرغم من كثرة ذكرها للأحداث التاريخية، وذلك بفضل ما اتسمت به هذه المدائح بالحب الصادق والإخلاص الشديد. ورصانة الأسلوب التي نستطيع أن نتلمسها في كثرة الألفاظ المعجمية والتراكيب الرصينة والأوزان الرحبة كالطويل والبسيط. وطول القصائد بعامة، وكأنما قد أرادا بذلك أن يكون مديحهما مناسباً لعظمة الممدوح مستوعباً لصفاته الكثيرة وجوانبه الجليلة جديراً به، لأنهما كانا يخاطبانه حريصين على نيل إعجابه، وكأنهما واقفان أمامه يسمعهما ويراهما. لذلك قد حرصا على المقدمة الغزليّة على طريقة المديح الرسمي أو التقليدي، واتسمت هذه المقدمة بالعفة بعامة لتناسب سمو الممدوح (ص)، ما خلا قصيدة ابن جابر اللامية، عللنا سبب ذلك آنفاً. كما تشابها أيضاً بالعناية بالتصنيع عناية تناسبت مع روح عصرهما وعنايته بذلك، فكانت صورة صادقة دقيقة له. وبالإضافة إلى ذلك نجد في مدائحهما بعض الأغراض الثانوية، مثل النصح والحكمة والوصف والفخر وغيرها مما ينسجم مع الغرض الرئيس، وهو المديح النبوي. وأما نقاط الاختلاف بينهما، فنراها في تفوق شعر المديح النبوي عند ابن جابر على مثيلها عند لسان الدين، من حيث الكثرة تفوقاً كبيراً جداً، إذ اقتصر لسان الدين على ثنتي عشرة قصيدة، بينما ملأ ابن جابر منه ديواناً كبيراً، بلغ عدد أوراقه خمساً وثمانين ومئة ورقة، تحتوي كل منها على صفحتين اثنتين، فضلاً عما نجده له من قصائد ومقطعات في كتب الأدب والمجموعات. ونراها أيضاً في أن المدائح النبوية عند لسان الدين ((مُناسَبيات)) إن جاز التعبير، إذا قالها بعامة في مناسبة المولد النبوي الشريف، لذلك سميت بالمولديات، ولم يكن الأمر كذلك لدى ابن جابر الذي انطلق لسانه مغرداً في مديح الرسول (ص) على مدار العام. كما أن لسان الدين قد رفع قصائده هذه بعامة إلى ممدوح غير النبي (ص)، ختم بمديحه قصائده، بينما حرص ابن جابر على أن يختم كل مدحة نبوية بالصلاة على الرسول (ص) التي جعلها لسان الدين في أثناء أبيات القسم الثاني من مولديته، والذي مدح فيه الرسول (ص). وبذل ضمت مولدية لسان الدين ممدوحين اثنين، أولهما النبي (ص)، وثانيهما هو السلطان خلافاً لابن جابر. كما كان لسان الدين أقل شاعرية من ابن جابر الذي كان شاعراً بفطرته التي يفيض منها الشعر كما يفيض الماء من النبع الغزير، ولقد ساعده على ذلك التفوق تفرغه للشعر وإخلاصه لـه، الأمر الذي لم يتوفر للسان الدين. كما تفوق عليه أيضاً بابتكاره لفن البديعيات، وإبداعه له، وبفتحه بذلك فناً من فنون الشعر العربي، سار فيه كثيرون من كبار شعراء العربية في زمنه وبعده، ولعل هذا كان بتأثير رحلته إلى الشرق، وإقامته في بلاد الشام التي كان أدباؤها يعنون مع غيرهم من سكان الشرق العربي بالبديع وفنونه عناية لم يسبقوا إليها، لأنهم رأوا فيه ميداناً رحباً يثبتون فيه ذواتهم، ويتفوقون به على سابقيهم وفقاً لنظراتهم الجمالية وآرائهم النقدية وفهمهم للأدب. ومع ذلك كله يبقى المديح النبوي لدى كل من ابن جابر ولسان الدين مَعْلماً مهماً من معالم شعر كل منهما ومن معالم الشعر العربي بعامة.
|
|
|
|
|
|
#9 |
|
عضو مطرود من المنتدى
تاريخ التسجيل: Jul 2008
الدولة: K$A
المشاركات: 2,077
نقاط: 2,070
|
المصادر والمراجع : ـ الأذكار النووية النووي، ت: الأرناؤوط، دار الملاح، دمشق 1971 ـ الأعلام خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت 984 ـ البلاغة تطور وتاريخ شوقي ضيف، دار المعارف مصر 1965 ـ تاريخ الأدب العربي عمر فروخ، دار العلم للملايين، بيروت 1983 ـ تاريخ الأدب العربي محمد عبد العزيز الكفراوي، مكتبة نهضة مصر، مصر 1968 ـ الحركة الشعرية زمن المماليك في حلب الشهباء أحمد فوزي الهيب، مؤسسة الرسالة، بيروت 1986 ـ الحلة السيرا في مدح خير الورى ابن جابر، ت: علي أبو زيد، عالم الكتب، بيروت 1985 ـ خزانة الأدب ابن حجة الحموي، المطبعة الأميرية، مصر 1394هـ ـ الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة ابن حجر العسقلاني، ت: جاد الحق، دار الكتب، مصر 1966 ـ ديوان الصيِّب والجهام والماضي والكهام لسان الدين الخطيب، ت: محمد الشريف قاهر، الشركة الوطنية للنشر، الجزائر 1973 ـ رياض الصالحين النووي، ت: رباح والدقاق، دار المأمون، دمشق 1976 ـ الشعر العراقي في القرن السادس الهجري مزهر عبيد السوداني، دار الرشيد بغداد 1980 ـ عصر الدول والإمارات، الأندلس شوقي ضيف، جامعة حلب 1994 ـ فيض القدير شرح الجامع الصغير المناوي، المكتبة التجارية الكبرى، مصر 1938 ـ لسان الدين بن الخطيب، حياته وفكره وشعره عصام قصبجي، جامعه حلب 1994 ـ المجموعة النبهانية في المدائح النبوية يوسف بن إسماعيل النبهاني، المطبعة الأدبية، بيروت 1320هـ ـ المدائح النبوية زكي مبارك، طبعة الشعب/ مصر 1971 ـ نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب المقرّي، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الكتاب العربي، بيروت، بلا تاريخ ـ مجلة الرسالة، مصر 1952. -------------------------------------------------------------------------------- (*بقلم ـــ د.أحمد فوزي الهيب(*) باحث من سورية. ([1]) لسان الدين بن الخطيب 280 ـ 281. ([2]) الحركة الشعرية زمن المماليك 100 ـ 103. ([3]) رياض الصالحين ص530. ([4]) فيض القدير 5/467. ([5]) الأذكار 97. ([6]) الشعر العراقي في القرن السادس 216. ([7]) الحركة الشعرية زمن المماليك 103. ([8]) عصر الدول والإمارات الأندلس 376. ([9]) مقدمة ديوان الصيِّب والجهام 123. ([10]) الأعلام 6/235. ([11]) المرجع نفسه 5/328. ([12]) المرجع نفسه 1/274. ([13]) الدرر الكامنة 3/439. ([14]) تاريخ الأدب العربي، عمر فروخ 6/515 ـ 516. ([15]) المرجع نفسه 6/531. ([16]) المرجع نفسه 6/506 ـ 507. ([17]) مقدمة ديوان الصيِّب والجهام 165 ـ 167. ([18]) المصدر نفصه 124 ـ 125. ([19]) المدائح النبوية 15. ([20]) لسان الدين 271. ([21]) المرجع نفسه 273. ([22]) المرجع نفسه 273 ـ 275. ([23]) المرجع نفسه 278. ([24]) مقدمة ديوان الصيِّب 152. ([25]) المصدر نفسه 479 ـ 480. ([26]) المصدر نفسه 480. ([27]) المصدر نفسه 480 ـ 481. ([28]) المصدر نفسه 481 ـ 482. ([29]) المصدر نفسه 482. ([30]) المصدر نفسه 482 ـ 483. ([31]) المصدر نفسه 483. ([32]) انظر مثلاً القصيدة رقم 237 من الصيب. ([33]) لسان الدين 280 ـ 281. ([34]) ديوان الصيب 484. ([35]) لسان الدين 283. ([36]) ديوان الصيب 379. ([37]) المصدر نفسه 484. ([38]) تاريخ الشعر العربي للكفراوي 9914. ([39]) المجموعة النبهانية 4112 ـ 42. ([40]) نفح الطيب 10/164. ([41]) خزانة الأدب11. ([42]) المجموعة النبهانية 3/89 ـ 91. ([43]) المصدر نفسه 3/94. ([44]) المصدر السابق 3/95. ([45]) المصدر نفسه 3/354. ([46]) المصدر نفسه 1/575. ([47]) المصدر نفسه 3/95. ([48]) المصدر السابق 3/352. ([49]) المصدر نفسه 3/94. ([50]) نفح الطيب 10/170. ([51]) المجموعة النبهانية 3/352 ـ 353. ([52]) أي جد الرسول e. ([53]) المجموعة النبهانية 3/97. ([54]) المصدر نفسه ([55]) انفح الطيب 10/217 وما بعدها. ([56]) المجموعة النبهانية 2/436. ([57]) المصدر نفسه 2/434. ([58]) المصدر نفسه 3/94. ([59]) المصدر نفسه 2/41 ـ 52. ([60]) المصدر نفسه 3/98. ([61]) المصدر نفسه 3/98. ([62]) نفح الطيب 10/167. ([63]) المدائح النبوية 213. ([64]) الحلة السيرا في مدح خير الورى 28. ([65]) مثل زكي مبارك، انظر المدائح النبوية 213. ([66]) مثل شوقي ضيف وغيره، انظر البلاغة تطور وتاريخ 273 ومجلة الرسالة العدد رقم 968 عام 1952. ([67]) بغية الوعاة 1/35. ([68]) انظر الحركة الشعرية زمن المماليك ص122 وما بعدها.
|
|
|
|
|
|
#10 |
|
عضو مطرود من المنتدى
تاريخ التسجيل: Jul 2008
الدولة: K$A
المشاركات: 2,077
نقاط: 2,070
|
و في الأخير المعذرة على الإطالة وتقبلوني معكم خـــــــــالص محبتي أخوكم / رائـــــع ![]()
|
|
|
|
![]() |
| اضف الموضوع لموقعك المفضل |
| حول اللاتينية إلى العربية |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|