كما تميز هذا التغزل النبوي لدى ابن جابر بهذا العطاء الروحي المتدفق من أعماق الشاعر، وبمشاعر الحزن النبيل في أثناء البعد، وأحاسيس التلهف المضني في أثناء الطريق، وبمظاهر الفرح العظيم عند اللقاء، فها نحن نراه يعطي مَن بشَّره بالوصول إلى مدينة الرسول (ص) مهجته كلها، بعد أن غنّى أحزانه وأشواقه وبكاها، وهام يسأل النسائم عن حبيبه الذي رمز له بسعاد، وظل كذلك حتى وصل، وكان عيده بهذا الوصول، كما تكون الأعياد عند رؤية الهلال، قال([40]):
عرج على بان العُذَيب ونادي
وانشدْ فديتك أين حل فؤادي
وإذا مررت على المنازل بالحمى
فاشرح هنالك لوعتي وسهادي
إيهٍ فديتكِ يا نسيمة خبِّري
كيف الأحبةُ والحمى والوادي
يا سعدُ قد بان العذيب وبانه
فانزل فديتك قد بدا إسعادي
خذ في البشارة مهجتي يوماً إذا
بان العذيب ونور حسن سعاد
قد صح عيدي يوم أبصر حسنها
وكذا الهلال علامة الأعياد
وإذ عُني ابن جابر في تغزله النبوي الآنف الذكر وغيره بذكر مجالي الجمال المعنوي والاحتشام والتأدب والتضاؤل والتذلل وذكر الأماكن الحجازية، كما أشار إليه ابن حجة الحموي([41])، نجده يشذ عن ذلك في لامية له، فيتحدث عن كثير من صفات حبيبته المادية، إذ وصف رضابها العذب الذي يفوق الخمرة طيباً، ووجهها وفمها وأسنانها ومقلتها التي كسرت صبره بدلالها وغنجها، وقطعت قلبه بسيفها، وغير ذلك، قال([42]):
بانت سعاد فعقد البر محلول
والدمع في صفحات الخد مبذولُ
ليس الزيارة للأحباب نافعة
إن لم يكن عند من أحببت تنويل
إذا تذكرت عذباً من رضابتها
فإنما شربيَ الصهباءَ تعليل
لمياء لا يعرف المسواك مبسمَها
لأنه بذكي الطيب مصقول
تفترُّ عن مثل نظم الدّر ذي شنب
كأنه بمذاب الشهد معلول
ويكسر الغنج منها مقلة كسرتْ
صبري ففاعل ذاك اللحظ مفعول
تفري القلوب بسيف من لواحظها
في حدِّهِ من كلال اللحظ تفليل
فاعجب لما حاز ذاك السيف من عجب
لا يُحْكم القطع إلا وهْو مغلول
فوق البرود وفيما تحتها عجب
نوعان للحسن معلوم ومجهول
بدر يلوح وغصن في كثيب نقا
عليه ثوب من الديباج مسبول
ولقد سوغ لابن جابر ذلك الشذوذ عن قاعدة طهر التغزل النبوي وسموه أنه كان يعارض في لاميته هذه لامية كعب بن زهير، أو بردته التي أنشدها أمام الرسول (ص)، فاستحسنها، ولكن لم ينتبه أن الرسول (ص) لم يعترض على (كعب)، لأنه حديث عهد بالإسلام قد وضع رجله في أول طريقه، بينما لم يكن هو كذلك.
أما معاني المديح النبوي عند ابن جابر فقد شابهت مثيلاتها لدى لسان الدين وغيره من أصحاب المدائح النبوية، مثل الهداية وفضله على الرسل([43]):
هادي البرية من بعد الضلال ومن
له على الرسل تخصيص وتفضيلُ
ومثل الصدق وتبشير الرسل وكتبهم به، قال ابن جابر([44]):
نبيُّ صدْقٍ جميعُ الرسل قد شهدت
به فمبعثه في الكتب منقول
ولم تزل مُنزَلاتُ الكتب مخبرةً
عن صدقه يتبع التوراةَ إنجيل