12-04-2008
|
#4
|
|
عضو مطرود من المنتدى
تاريخ التسجيل: Jul 2008
الدولة: K$A
المشاركات: 2,077
نقاط: 2,063
|
ولعل من الجدير أن نذكر أن مديحه السابق للرسول (ص) قد خلا مما ذكره في قصائده الأخرى([32])، وهو الغاية الفلسفية في النبوة، وأن النبي (ص) علة الكون وسره، وأن لحقيقته مظهرين، أحدهما في عالم الأسرار، حيث تتجلى في ذاته أنوار الحضرة الإلهية، وثانيهما في عالم الحس، حيث هو سبب هداية الناس وشفاء أسقامهم، ولولا أن الله قد اختاره لهذه المهمة، لما كان ذا مظهر بشري قط، لأنه يعلو عليه في الحقيقة. ولا ريب أن هذا الأخير يشير إلى اعتقاد الصوفية بمهمة الحقيقة المحمدية في الكون، من حيث كونها عماده الرئيس وقوته المدبرة والوساطة بينه وبين الحق، وإذا كان لسان الدين لم يغل في اعتقاده غلو الصوفية، فلا شك أنه كان مولعاً كثيراً بترديد قوله: إن النبي هو العلة الحقيقية للوجود([33]). ومن الطبيعي أن يستمد لسان الدين معاني مديحه للرسول (ص) من كتب السيرة، وأن يتخذ هذا المديح شكل خطاب الحي الذي يمثل الشاعر أمامه مادحاً، لأنه كان يعتقد أن الرسول (ص) حي في قبره كما أسلفنا من قبل.
وبعد ذلك انتقل لسان الدين إلى القسم الثالث والأخير من قصيدته هذه، وهو مدح السلطان أبي سالم يوسف المريني، انتقالاً حسناً سلساً موفقاً كانتقاله السابق من القسم الأول إلى الثاني، فقال([34]):
وفينا سليل النصر يحفظ منك ما
أضِيع ويلقى فيك بالبِدَرِ الوفدا
إمامٌ أفاض الله في الأرض عدله
فأوشك فيه الضد أن يألف الضدا
أقام على حب النبي وآله
وأشرب تقوى ربه الحل والعقدا
نما سيد الأنصار سعْدٌ وسُدِّدت
يدٌ لـه في أغراضه النصر والسعدا
وأورث حقَّ النصر لا عن كَلالة
وللسبط في المشروع أن يرث الجدا
أيوسفُ يا حامي الجزيرة حيث لا
نصيرٌ، ومصلي بأسَها الضمَّر الجُرْدا
أفاض عليها الله ملكك ديمةً
وروّى ثراها منك منسكباً عهدا
فملكك فيها ما أجل جلاله
وسيفك ما أسطى وكفك ما أندى
صدعت بأمر الله في جنباتها
فألبسك التقوى وقلدك العضْدا
إنه إذ مدح الرسول (ص)، مدحه في زمن السلطان أبي سالم، الحافظ من رسول الله (ص) ما ضيعه الآخرون، الإمام العادل المحب للنبي (ص) وآله الكرام، التقي الحامي للأندلس في وقت عز فيه النصير، ثم ختم لسان الدين قصيدته هذه بأن دعا للأندلس أن يديم الله عليها ملك أبي سالم، ثم تعجب من جلال ملكه وسطوة سيفه وجود يده، ولا غرو في ذلك فإنه أعلى كلمة الله فيها، فجزاه الله على ذلك ديناً وملكاً.
إن هذه المدحة النبوية، أو المولدية، نموذج لغيرها من مدائحه النبوية، رغم وجود فروق طفيفة بينها، ويمكن القول: إن الجانب الذاتي في مدائحه يطغى طغياناً شبه تام على الجوانب الأخرى ولكنه لا يغفلها([35]). ومع ذلك فهناك بعض من مدائحه النبوية لم يرفعها إلى أحد من السلاطين، أو حذف منها الأبيات التي تذكرهم، مثل القصيدة التي مطلعها:
ملكت رسولَ الله رِقّي فمن يبرحْ
وأوليتني الحظ الرغيب ومن يشرح([36])
ومثل قصيدته التي مطلعها:
هاجتك إذ جئت اللوى فزرودا
ذكراك أوطاناً بها وعهودا([37])
ومن البدهي ألا نرى فيها سوى التعبير عن حبه وشوقه للرسول (ص)، وعلى مديحه وذكر معجزاته وغيرها.
وأما المديح النبوي عند ابن جابر الأندلسي الهواري فهو كثير جداً، وكأنه قد تفرغ له تفرغاً كاملاً، إذ نجد لـه منه ديواناً كاملاً سماه ((الغين في مدح سيد الكونين)) كما مر بنا من قبل، بالإضافة إلى قصائد ومقطعات كثيرة متناثرة في كثير من الكتب، مثل نفح الطيب وغيره.
اتسم المديح النبوي عند ابن جابر ـ مثل لسان الدين وغيره ـ بالحب العظيم للرسول (ص)، ولا غرو في ذلك فلا يؤمن المسلم إيماناً كاملاً حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، كما اتسم هذا الحب أيضاً بالصدق والعاطفة السامية القوية، إذ إن الشاعر لم يكن يبغي من مديحه كسباً دنيوياً مادياً، وإنما الذي يبغيه هو التعبير عن مدى حبه للرسول (ص) لينال رضاه وشفاعته. أمام ذلك لم يجد ابن جابر ـ كلسان الدين وغيره ـ وسيلة أفضل من ألفاظ الحب والتغزل لتعبر عن ذلك، الأمر الذي أوصلهم إلى التغزل النبوي، وهو يشبه التغزل العذري العفيف من وجوه، ويشبه إلى حد كبير شعر الحب الإلهي الذي نجده عند رابعة العدوية وغيرها من الذين أفادوا من الحب العذري وشعره ومعانيه العفيفة وأساليبه المميزة في مناجاتهم للذات الإلهية، وذلك بعد أن طهروه ونقوه من الرواسب والشوائب المادية العالقة به([38])، كما أفادوا من ذلك في تعبيرهم عن حبهم للرسول (ص)، ووجدوا فيه خير معبر عن شوقهم وحبهم، الأمر الذي جعله يتسم بعاطفة جياشة محبة مشتاقة إلى الرسول (ص) ولمدينته المنورة، لذلك قطع ابن جابر وغيره الفيافي والقفار يحثون مطاياهم ويستعجلونها كلما أتعبها الترحال، ويصبرون أنفسهم، ويمنونّها برؤية العقيق والرند والغوير ونجد وغيرها من المواضع التي أحبوها لحبهم للرسول (ص)، هذا الحبيب الذي يذكرونه دائماً ويصبون إليه، ويذرفون الدموع غزيرة تترى شوقاً وهياماً، قال ابن جابر([39]):
إليك رسولَ الله جبنا الفلا وخْدا
ولولاك لم نهو العقيق ولا الرندا
ولولا اشتياقي أن أراك بمقلتي
لما كنت أشتاق الغوير ولا نجدا
ولولا رجاء القلب من ذلك الحمى
لما اخترت عن أهلي وعن وطني بعدا
ومن أجلكم أصبو إذا هبت الصبا
تجر صباحاً فوق أرضكم بردا
وما افتر ثغر البرق من أرض بارق
لعينيَ إلا فاض دمعي لـه وجدا
ولا أستلذ العيش في غير أرضكم
ولا أشتهي من غير مائكم وردا
|
|
|