انتخاب رئيس المجلس يعرّف عن هويته
تعرّف نتائج انتخابات رئيس مجلس النواب عن ماهية هذه الرئاسة وشخصية الرئيس ودوره. فإذا استثنينا انتخاب الرئيس في المجلس المنتخب سنة 1968 كانت دائماً الورقة البيضاء هي المنافس للرئيس الفائز.
فمنذ ما يزيد عن أربعين سنة، وتحديداً منذ نهاية ولاية المجلس المنتخب سنة 1964، اقتصرت منافسة «المرشح الفافوري» على ثلاثة استحقاقات إضافة للانتخابات التي جرت في مجلس الـ 68 وذلك سنة 1984 عندما فاز الرئيس حسين الحسيني بأكثرية 41 صوتاً بينما نال الرئيس كامل الأسعد 28 صوتاً، وفي سنة 1981 نال الأسعد 66 صوتاً بينما نال النائب عبد اللطيف الزين 13 صوتاً، وانتخابات 1974 عندما نال الأسعد 57 صوتاً بينما نال صهره صبري حماده 21 صوتاً. وما جرى في انتخاب رئيس المجلس سنة 1968 لم يكن معبراً عن ممارسة من شأنها ان تلغي القاعدة انما كان استثناءً لها، لأن في هذا المجلس ظهر «الحلف الثلاثي» الذي أخذ على عاتقه ملاحقة آثار الشهابية، مما أدى الى اضطرار المنتمين لها الى خوض معركة بقاء في رئاسة المجلس ضد المرشح الآخر للرئاسة. المؤيد من الحلف، فكانت نتيجة الانتخاب في المرات الأربع 50 للرئيس الأسعد مقابل 49 للرئيس حماده ثم فوز الرئيس حماده بـ 50 صوتاً مقابل 42 للأسعد، وأعقب ذلك فوزه لمرة ثانية بأكثرية 45 ضد 34 للأسعد. اما في سنة 1970 وانتخاب 1971 فعاد الأسعد الى الرئاسة في المرة الأولى بأكثرية 83 صوتاً مقابل 11 ورقة بيضاء، ثم عاد ليفوز بأكثرية 62 صوتاً ضد النائب محمود عمار الذي نال 36 صوتاً.
ان هذا التحول الذي شهده المجلس المنتخب سنة 1968 يوم كانت انتخابات رئيس المجلس تتم سنة فسنة قد يؤكد صحة التعديل الدستوري الذي طال ولاية رئيس المجلس سنة 1990، فالمجلس نفسه انهى رئاسة الأسعد، ولكنه عاد ليأخذ بيده الى الرئاسة، عندما انتهت ولاية رئيس الجمهورية شارل حلو ووصول الرئيس سليمان فرنجية الى سدة الرئاسة، مما يؤكد ان رئيس الجمهورية يوم كانت ولاية رئيس المجلس تتم سنة فسنة كان هو المنتخب الأول في رئاسة مجلس النواب. فالرئيس الأسعد أكمل في رئاسة المجلس حتى انتهاء ولاية الرئيس فرنجية، ومن ثم إلى أواخر ولاية الرئيس الياس سركيس، بعد ان تعطل تأثير رئاسة الجمهورية على استحقاق انتخاب رئاسة المجلس، بفعل التمديد لمجلس النواب، الأمر الذي حرر نواب مجلس الـ72 من إمكان حدوث ضغط ما عند انتخاب رئيس المجلس، باعتبار ان الضغط يومها كان يظهر أولاً في تجاوب النائب مع أي فعل او طلب يساعده على تجديد نيابته في الانتخابات المقبلة.
وباستثناء هذه الظاهرة التي مرت في اكثر من اربعين سنة على الحياة النيابية، كان الفائز في رئاسة المجلس يقود معركة «حجم الأصوات» وليس الهروب من السقوط. وبهذا المعنى فإن ماهية رئيس المجلس قريبة في طبيعتها من انتخاب رئيس الجمهورية. ففي الانتخابين الترشح ليس مفروضاً وإن كان لانتخاب رئيس الجمهورية شروط يجب توافرها. فعندما ترك المشترع الانتخابين من دون اعلان ترشح يكون قد قصد وبالضرورة، ان يجري الاتفاق مسبقاً على من سيكون الرئيس. فمن يتصور ان اكثرية مطلقة او موصوفة من النواب قادرة على ان يكون عندها «توارد افكار» بحيث تجمع على اختيار اسم لرئاسة الجمهورية لم يعرف أحد انه مرشح للرئاسة. صحيح ان اختيار رئيس المجلس من دون ترشح لا يتطلب الحجم نفسه من توارد الأفكار هذا، الا انه يبقى قائماً وإن بحجم أقل، ولذلك كانت الأوراق البيضاء هي المنافس في انتخاب رئيس المجلس وأن عدم وجود منافسة في انتخاب الرئيس أمس، جاء ليتوافق كلياً مع الممارسة الديموقراطية في داخل مجلس النواب، وليس نقيضاً لها، باعتبار ان المشترع قد أراد ذلك عندما لم يطلب الترشح وان كانت اعادة انتخاب الرئيس بري أمس مدعمة ومسندة الى معطيات أساسية كافية جداً لتجديد انتخابه.
ولهذا نرى في سجل انتخابات رئاسة المجلس ان المنافسة كانت بين الفائز والأوراق البيضاء التي وصل عددها الى 15 ورقة في انتخابي 1974 و1975، عندما فاز الرئيس الأسعد على التوالي بـ 57 صوتاً وبـ 47 صوتاً، وكذلك في انتخاب سنة 1987، عندما فاز الرئيس حسين الحسيني بأكثرية 51 صوتاً ضد 15 ورقة بيضاء، وهذا العدد محسوب من عدد نواب اقتصر على 99 عند بدء ولاية المجلس، ولكنه نقص على التوالي لتعذر إجراء انتخابات نيابية. اما في المرات الأخرى فقد تراوح عدد الأوراق البيضاء ما بين 14 و9 و8 و7 وصولاً إلى ورقتين في بعض المرات.
ان هذه المعطيات قد تفسر الى حد بعيد لماذا تتجدد ولاية رئيس المجلس دائماً. فالمسألة هنا لا علاقة لها بالإرث ولا بشكل من أشكال اللاديموقراطية فللنائب، كما لأي مواطن آخر، أن يختار من يتكلم باسمه وعندما يفسح في المجال للاختيار تكون الديموقراطية دائماً بخير
السفير
