الرئيسية | أخبار لبنان | جنبلاط: معركة الحكومة ليست سهـلة ومفتوحة

جنبلاط: معركة الحكومة ليست سهـلة ومفتوحة

بواسطة

ما قيل يوماً عن الرئيس كميل شمعون، أنه كان يصطاد الأحداث والتوازنات والحلفاء والخصوم، بات يصحّ الآن على النائب وليد جنبلاط الذي راح يصطاد، كذلك، على نحو مماثل. وخلافاً للرئيس الراحل الذي اعتاد تصويب بندقيته، يلقي جنبلاط صنّارته وينتظر اثنين: الصبر والوقت

 
بين الأحد 2 آب 2009 والأحد 30 كانون الثاني 2011، أصبح رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط أكثر اطمئناناً إلى حزبه. على مرّ سنة و6 أشهر اشتغل بالصنّارة كي يقتنع حزبه، وكذلك طائفته، بصواب خياراته مع سوريا والمقاومة. الأصح أنه عاد إلى هذه الخيارات. لم تعنِ الصنّارة له إلا الصبر والوقت كي يستوعب محازبوه التحوّلات الكبيرة التي أجراها بين هذين التاريخين. بين 2 آب 2009 عندما أعلن لأول مرة خروجه من قوى 14 آذار، و21 كانون الثاني 2011 عندما أعلن الاصفاف النهائي إلى جانب سوريا والمقاومة.

يستخلص من مداولات الجمعية العمومية الأحد الماضي ثبات الحزب على خياراته، بعدما كان قد لمس منذ 2 آب 2009 حجم الصعوبات التي واجهها فيه لترسيخ الخطوات التي وصفها بأنها كانت مدروسة لضمان الانتقال الهادئ به من مرحلة إلى أخرى: «كانت الجمعية العمومية إحدى أنجح الجمعيات العمومية التي عرفها الحزب. أجريت مراجعة كاملة لكل المراحل التي مرّ بها. طبعاً هناك بعض الشباب الذين لا يزالون متأثرين بحقبة 2005 وقوى 14 آذار، ويلجأون إلى الفايسبوك. لكن الأمر انتهى بالعودة إلى خياراتنا التاريخية. اطمأننت أكثر إلى أن حزبنا لا يزال يملك امتدادات شيعية ـــــ سنية ـــــ مسيحية من عكار إلى إقليم الخروب إلى الجنوب، إلى الجبل، إلى ما أعدّه بقاياه في كسروان. اشتغلت بالصنّارة على هؤلاء جميعاً، بالندوات والاجتماعات والجولات والتنسيق الأمني مع الجيش وحزب الله في المناطق التي كانت قد شهدت توترات. ثبتّ هذه الخيارات».

وعندما يُسأل كم سيصمد في الخيارات التي عاد إليها، يجيب: «صمدت 30 عاماً في هذه الخيارات عندما ذهبت لأول مرة إلى دمشق عام 1977 واجتمعت بالرئيس حافظ الأسد. في ما بعد اختلفت مع سوريا على موضوع التمديد لإميل لحود، ولم نكن على علم بخفايا المصالحة الأميركية ـــــ الفرنسية بعد احتلال العراق التي أنتجت القرار 1559. سمّيته القرار اللعين والمشؤوم، وأنا رفضته أمام الرئيس جاك شيراك عندما اجتمعت به في كانون الأول 2004. قلت له إنني أرفضه. لكن غيري وافق عليه».
لم يقل مَن هو غيره الذي وافق عليه.
حينما يُسأل هل هو الرئيس رفيق الحريري، لا يجيب.

هكذا لم يعد جنبلاط إلى «الخيار الطبيعي والموضوعي» مع سوريا وحزب الله فحسب، بل أعاد حزبه إليه أيضاً: «لم أنضم إلى قوى 8 آذار رسمياً، ولا طلبت ذلك، بل انضممت إلى خيار 8 آذار. لكنني أبقى كما أنا وليد جنبلاط في هذا الخيار المنسجم مع تاريخي وتاريخ الحزب التقدّمي الاشتراكي».
في ظلّ الغالبية النيابية الجديدة التي أفضت إلى تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تأليف الحكومة الجديدة، يتخذ جنبلاط موقعه تبعاً للمعطيات الآتية:
1 ـــــ انقطاع كامل في العلاقة بينه والرئيس سعد الحريري، ولا وسطاء. لا يصف الأمر بالطلاق السياسي، لكنه يعزوه إلى خلاف مع الحريري الذي لم يلتزم تعهدات كان قد قطعها، وسمعها منه جنبلاط مباشرة قبل ذهابه إلى دمشق في 15 كانون الثاني.

عندما زاره الحريري في منزله في كليمنصو، أبرَزَ له جنبلاط التسوية السعودية ـــــ السورية الموزّعة على ثلاثة شقوق، ثالثها يتعلق بإجراءات ما يسميه «درء المفاعيل السلبية للقرار الاتهامي على لبنان». سأل الحريري ـــــ وقد تأكد من صحة الورقة التي بين يديه والتزام زائره إياها ـــــ ماذا يقول للرئيس السوري بشّار الأسد الذي كان سيلتقيه صباح اليوم التالي، 15 كانون الثاني.
ردّ الحريري: موافق.
كرّر جنبلاط: أريد أن أتأكد. أنا أتعامل مع رئيس دولة. هل أنت موافق كي أبلغه ذلك أم لا؟
كرّر الحريري: أنا موافق.
في الطريق إلى دمشق تلقى جنبلاط مكالمة من الوزير وائل أبو فاعور يخطره بأن المدعي العام للمحكمة الدولية دانيال بلمار خابر رئيس الجمهورية ميشال سليمان، وأعلمه أنه سيضع القرار الاتهامي بين يدي قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين الاثنين 17 كانون الثاني. اتصل بلمار أيضاً برئيس المجلس نبيه برّي، فرفض الردّ عليه.
في لقائه به، علم جنبلاط كذلك من الرئيس السوري أن بلمار سيسلم قراره الاتهامي إلى فرانسين الاثنين. ترك الأسد للزعيم الدرزي حرية التحرّك، وراهن جنبلاط على أن الحريري سيلتزم ما قطعه له، فلم يفعل. عندئذ اتخذ قرار اصطفافه العلني مع سوريا والمقاومة. خيبتان رافقتا موقفه: عدم التزام الحريري ما وافق عليه في ورقة حقيقية وتسوية جدّية، وإخفاق المبادرة القطرية ـــــ التركية.
يقول: «حتى اللحظة الأخيرة ظللت أعمل».

لا يودّ الدخول في سجال مع الحريري. كان قد اجتمع برئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي العقيد وسام الحسن في 11 كانون الثاني، ثم بالأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله في 13 كانون الثاني: «لم اخترع هذه الورقة (التسوية)، تأكدت من صحتها من بضعة تقاطعات. حاولت أن يمشي سعد بالتسوية، وكان يمكن أن يخرج منها كبيراً. لا أعرف هل فاضَلَ بين الأميركيين والسعوديين. لم يتنصل منها السعوديون، لكن هناك حسابات جيفري فلتمان ومروان حمادة ونظرية فؤاد السنيورة التي لا تزال سارية إلى الآن، وهي التفاوض مع الفريق الآخر بعد صدور القرار الاتهامي. لم يتغيّر ولا تغيّر سمير جعجع الذي يفكر مثله».
يضيف: «هل هناك عاقل يضع في التسوية بنداً مثل تثبيت اتفاق الطائف ومشاريع القوانين الـ69 من أيام حكومة فؤاد السنيورة، علماً بأن نبيه برّي كان قد أبدى استعداداً لمعالجة هذا الموضوع؟ هل هناك عاقل يضع بنداً مثل عدم التهجّم على فريقه الأمني والقضائي؟ أي بازار كان هذا؟».
2 ـــــ يلاحظ جنبلاط أن الحريري أوجد مشكلة سنّية ـــــ سنّية «عندما استقبل الرئيس ميقاتي ونظر إليه شزراً كأن ثمّة ثأراً شخصياً بينهما. لماذا لا يقبل بتداول السلطة؟ يوم له وآخر لسواه. عدّ تكليف ميقاتي أمر عمليات خارجياً واغتيالاً سياسياً».

عندما وقع يوم الشغب، وسمّاه تيّار المستقبل «يوم الغضب» في 24 كانون الثاني، اتصل جنبلاط بالحسن وبالنائب السابق مستشار الحريري غطاس خوري، ممتعضاً ممّا حصل: لا تريدون من الآخرين النزول إلى الشارع، فماذا تفعلون؟
كان الردّ أن بياناً بالتهدئة سيصدر.
قال: لا يكفي. على الحريري أن يلقي كلمة.
يعقب جنبلاط: «لم نكن في حاجة إلى ما حدث. ولا لزوم له».

هل انتهت الحريرية السياسية؟
يجيب: «لا شيء ينتهي. السياسة ليست جموداً، بل تأقلم وتعلم واتعاظ من الظروف. إذا لم يشأ الحريري التعلم ممّا حدث، فذلك يعني أنه يريد أن ينتهي. مَن يتراجع ينتهِ. لسعد رمزيته في الحريرية تلزمه التأقلم مع الظروف. فوّت عليه فرصة كبرى عندما زار الرئيس الأسد 5 مرات. كان يمكن أن يفعل الكثير بالتعاون معه من خلال العاملين الشخصي والسياسي».
3 ـــــ يمحض جنبلاط الرئيس المكلف دعماً كاملاً، وكذلك حكومته، ويقول إنه لا يستطيع أن يفرض عليه أمراً، بما في ذلك التسوية السعودية ـــــ السورية. لكنه يلاحظ أن هذه التسوية تصلح كي تكون منطلقاً.
يقول أيضاً: «علينا أن لا نتوهم أن المعركة سهلة، بل هي مفتوحة مع الدوائر والغرف السوداء الأميركية واللبنانية المقيمة في الفنادق الفخمة في باريس وفي قوى 14 آذار التي يجري كل أفرقائها تنسيقاً كاملاً في ما بينهم بتسابقهم على الاتصال بالرئيس ميقاتي، ويريدون عرقلة حكومته للانقضاض عليها عندما يتمكنون من ذلك. هناك إيحاء بالتمييع والاتصالات لتضييع الوقت. ينبغي أن نحمي هذه الحكومة. الرئيس ميقاتي منفتح على الجميع، بما في ذلك قوى 14 آذار. لا أعرف مغزى الانفتاح المفاجئ لأمين الجميّل وسمير جعجع، هل هو حسن نيّة أم محاولة لتضييع الوقت. ربما كان أمين يريد إرسال إشارات للخارج، إلى أن لديه حيثية مختلفة تجعله يطلب المشاركة. بالنسبة إلى جعجع لا يسعه القيام بأي شيء. هناك أيضاً جوني عبده الذي يبشّرنا من باريس بزلزال. لا أعرف ماذا يريد هؤلاء. الرئيس ميقاتي يريد أن يعطي قوى 14 آذار فرصة للمشاركة، لكنني أعتقد بوجود أمر عمليات خارجي معاكس. مهمته ليست سهلة على الإطلاق».
4 ـــــ يقول جنبلاط إن حكومة ميقاتي «ليست في صدد إلغاء المحكمة الدولية لأنه لا أحد يستطيع إلغاءها إلا مجلس الأمن، لكن علينا العمل على درء المفاعيل السلبية للقرار الاتهامي في الداخل. هذا هو المطلوب فقط».

5 ـــــ يشيد جنبلاط بوسطية رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، ويقول: «في مكان ما يمثلان وسطية ويريدان حكومة جدّية وفاعلة، خلافاً للشائعة التي تطلقها قوى 14 آذار ومروان حمادة من أنها ستكون حكومة نظام أمني جديد، أو يقولون على طريقة إذاعة صوت العرب إنها حكومة ولاية الفقيه. سنسعى نحن الثلاثة، الرئيسين سليمان وميقاتي وأنا، إلى أن تكون هناك كتلة وسطية ونحافظ عليها في الحدّ الأدنى، لكن ماذا سيفعل التخريب الأميركي والغربي؟ أنا لم أعد وسطياً منذ أعلنت اصطفافي في خيار سوريا والمقاومة. أنا واثق من القدرات التي يمتلكها الرئيس ميقاتي، وقد أظهر لنا حجم علاقاته العربية والدولية. إنه رجل ثقة. عندما كلف خفّ الضغط على الليرة اللبنانية. الرجل يبعث على الثقة».

6 ـــــ يعارض جنبلاط مطلب قوى 14 آذار المشاركة في حكومة ميقاتي انطلاقاً من بتّ موضوع سلاح المقاومة. يقول أيضاً: «ليسمح لنا سمير جعجع وسواه. معالجة موضوع السلاح داخلية وعبر الحوار الوطني. أتمنى أن لا يتكلموا في هذا الموضوع ويذكرونا بـ7 أيار 2008. صحيح أن ما حصل حينذاك في بيروت والجبل أضرّ بحزب الله والمقاومة، لكن الصحيح أيضاً أنه كانت هناك أفكار جهنمية ترافق التشنج السياسي. استقدم الحريري من عكار عناصر للدفاع عن بيروت وجعلهم ميليشيا، ما أخاف حزب الله. طبعاً هناك موضوع آخر يتعلق بشبكة اتصالات حزب الله التي حرضوني عليها. أريد أن أسأل عن المذكرة السرية التي أرسلها الياس المر عبر مديرية الاستخبارات وسُرّبت إلى جريدة النهار. وكذلك الخريطة التي لم أكن أنا واضعها، بل جيء بها إليّ. لا أريد أن أنسى أيضاً ما سبق 7 أيار 2008، قبل سنة ونصف سنة في حرب تموز 2006 عندما اتهم حزب الله فريقاً من قوى 14 آذار بالتآمر عليه. انظروا إلى هذه القوى إلى أين أوصلتنا. قلت ذلك كله في الجمعية العمومية للحزب الأحد، عندما قدمت عرضاً شاملاً لتاريخ الحزب ومراحله منذ عام 1958 حتى اتفاق الطائف حتى القرار 1559».
يضيف الزعيم الدرزي: «كل ذلك من أجل أن أقول إنه بعد اتفاق الدوحة، يناقش موضوع سلاح المقاومة في الحوار الوطني، لأنه أساسي بالنسبة إلى لبنان وضروري لحمايته من العدوان الإسرائيلي. لم نسترجع الغجر، فكيف سنستعيد مزارع شبعا وتلال كفرشوبا؟ وكيف نواجه الاختراقات الجوية الإسرائيلية؟ هناك موضوع آخر مهم آت إلينا هو الثروة النفطية والغازية التي تريد إسرائيل الاستيلاء عليها. عندما نتكلم على سلاح المقاومة نعود إلى القرار 1559. إلغاء السلاح يعني إلغاء مناعة لبنان وفصله عن كونه خاصرة لسوريا بغية إضعافها، وإعادته إلى الفلك الأميركي ـــــ الإسرائيلي».

7 ـــــ يعارض جنبلاط القائلين بأن ما حدث أخيراً انقلاب. يقول: «ليس انقلاباً، بل إعادة للوضع إلى نصابه الحقيقي. أمن لبنان من أمن سوريا، وأمن سوريا من أمن لبنان، هذا التلازم شكل قاعدة أساسية في اتفاق الطائف الذي رعاه رفيق الحريري مع الملك فهد وسوريا، وبرعاية أميركية آنذاك. الآن ارتاحت سوريا وستعود العلاقات اللبنانية ــــ السورية المميّزة إلى طبيعتها. صحيح أن هناك فريقاً لن يستسلم رغم خسارته مصر هو قوى 14 آذار. سيظلّ هذا الفريق يعمل على التعطيل».
الاخبار

  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية
find us on facebook
find us on facebook
follow us on twitter

كلماته الدلالية:

وليد جنبلاط

قيّم هذا المقال

0