الرئيسية | أخبار لبنان | جنبلاط يفصل «المسارين»: العدالة لم تعد ملازمة للاستقرار

جنبلاط يفصل «المسارين»: العدالة لم تعد ملازمة للاستقرار

بواسطة

باكراً استفاق وليد جنبلاط. رتّب أفكاره، قبل هندامه. استحضر كلّ التساؤلات والاستيضاحات التي ستواجهه أمام «ضباطه وجنوده» الحزبيين. يعرف سلفاً ما يدور في أذهان هؤلاء، «عيّنات» مصغّرة بلغت كليمنصو في الآونة الأخيرة. «راداراته» قادرة على التقاط إشارات الاعتراض، داخل بيته، وخارجه... ويدرك، أكثر من غيره، كيف يتلقّفها، ويعيد «تصنيعها» أو «تدويرها».
لحظة دخول رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي فندق «البوريفاج»، إلى الصالة التي جمعت الجمعية العمومية الاستثنائية للحزب، كان مشهد الثاني من آب العام 2009، الحاضر الأبرز، في ذاكرة «البيك»، و«عائلته» الحزبية على حدّ سواء. يومها كان الانقلاب أكثر صعوبة وكلفة. الانتقال بالجمهور، من «أحلام الثورة» إلى «أرض التسويات»، ليس سهلاً. له أثمان باهظة، وقد يفشل الكثيرون في تجاوز عقباتها.
«التقدّميون» تذوّقوا كأس «التحوّل السياسي»، على جرعات. لم يعد طعمه «مرّاً»، وما كان منبوذاً قبل «ساعة الصفر»، صار مقبولاً، من بعدها... بهتت الخطوط الحمر، وضاعت معالمها، والمتغيرات الخارجية، سهّلت من «إعادة التموضع» الاشتراكية. وهكذا بعد تسعة عشر شهراً، صارت الاستدارة كاملة. وإن اضطر «ابو تيمور» الى دفع الثمن من «كيس» كتلته النيابية.
بين الفوضى و«الكلمة الفاصلة» ركن جنبلاط إلى الأخيرة. مخاطر الأولى كانت واضحة أمام حزبه. لم يكلّف نفسه عناء تشريحها وشرحها. مسار التطورات السياسية تكفّل بفصل الخيط الأبيض عن الأسود... وبإخراج زعيم الجبل، من «قفص الاتهام» بالانقلاب على مواقفه، وعلى حلفائه، وإن بقي «مُداناً» إلى حين مدّته الظروف بـ«أدلة براءته»، كما يرى بعض محازبيه.
أسدلت الستارة على أكثر من 86 «تقدّمياً»، لبّوا الدعوة من أصل 100 مدعو، ليلتقوا تحت سقف التنظيم مع «البيك» لأكثر من ساعة ونصف ساعة، في جلسة «عائلية» غلب عليها الطابع الاستيضاحي، أكثر من مناخ «المقارعة» الذي ساد القاعة ذاتها، منذ أكثر من عام ونصف عام. كثافة المشاركة لها مدلولاتها في حسابات القيادة، يريحها هذا الالتزام الحزبي ويعبّد أمامها طريق النقاشات.
تولى «البيك» شرح كلّ التطورات ورسم مساراتها امام محازبيه منذ النشأة الحزبية على يد كمال جنبلاط وثلة من الاشتراكيين الأوائل إلى لحظة خروج «الحريرية» من كنف السطة. استمع هؤلاء بهدوء، تمعّنوا في التفاصيل التي قدّمت أمامهم على طبق «الهاجس من حرب داخلية»، كان من الممكن أن تهدد الجميع.
جمع جنبلاط فريقه الحزبي، ليضعه في مناخ المحطة الفاصلة التي عاشتها البلاد خلال الأيام الأخيرة، متكئاً كعادته، على التاريخ البعيد قبل القريب. أعاد سرد عناوين مؤتمره الصحافي الأخير الذي أعلن خلاله الوقوف إلى جانب سوريا والمقاومة في معركتهما «الحكومية»، مضيفاً إليها بعض التفاصيل التي عايشها بنفسه من خلال الاتصالات التي أجراها واللقاءات التي عقدها.
الورقة - التسوية التي يرفض سعد الحريري إعلان «أبوتها»، حضرت إلى البوريفاج أمس، بكل حيثيات ولادتها، إلى حين استنفاد محاولات استلحاقها وإنقاذها، حيث أكد جنبلاط أمام «التقدميّين»، أن مضمونها كان مدار بحث طويل بينه وبين السيد حسن نصر الله، وبينه وبين الحريري... هي حقيقة ملموسة، وليست وهماً، كما يحاول «تيار المستقبل» تصويرها.
دقائق كثيرة رواها جنبلاط أمام الكوادر، روت غليل المستفسرين عن آفاق المرحلة، وعن ماضيها القريب. المشهد الإقليمي كان العنصر الأقوى في المقاربة «الجنبلاطية»: مباركة قطرية، دعم سوري، وقبّة باط سعودية... دعامة نجيب ميقاتي للوصول إلى السرايا الحكومية. فلماذا مواجهة رياح التغيير؟
كان لا بدّ من التقاط اللحظة، والاختيار بين المساهمة في الاستقرار، أو المشاركة في الفوضى. في الحالتين كان من الممكن تحميل جنبلاط المسؤولية، ولذا كان من الأفضل «اتهامه» بصناعة الحالة الأولى، على الثانية. بعد أحداث السابع من أيار، هناك من خرج من قوى الرابع عشر من آذار، وحاول حصر مسؤولية «معارك بيروت»، بالقنابل التي رماها جنبلاط من كليمنصو خلال مؤتمره الصحافي الشهير، وكأن ما قاله هو الدافع لكل ما حصل بعد ذلك اليوم.
تلك الصورة ارتسمت أمس في أذهان بعض «الاشتراكيين»، صار للحسابات المنطقية مكانتها في جردة «المنتفضين» على «الخيار الحريري»، وإن كان للعاطفة بعض الفسحات، لكنها ليست كافية لشحن «بطارية» الاشتراكي بـ«فولتاج» اعتراضي قوي. العلاقة مع بعض «الحلفاء السابقين» انتقلت من حالة الغرام إلى الصداقة، وفق تعبير أحد الاشتراكيين.
يقرّ أكثر من حزبي أن التفهّم هو السمة الغالبة، لا مجال لإنكاره. هدوء لافت ميّز النقاشات. ملاحظات الحاضرين تمحورت حول بعض المسائل الشكلية من دون أن تمسّ الجوهر أو عمق الخيارات. لم يقف أي من الاشتراكيين بوجه «ابن المعلم» ليواجهه بالخطأ أو «الخطيئة»، فقد تخطّوا تلك النقطة الحدودية، بعدما دخلت اعتراضاتهم «مربّع الأمان». تطوف أفكارهم فوق المشهد التونسي، ثم تطلّ على «الثورة المصرية»، لتصل إلى خلاصة ناصعة البياض: لا حماية لحلفاء الأميركيين!
التوليفة الإقليمية بدت مشدودة الحبكة، ومسارها أكبر من موقف جنبلاط إلى جانب هذا أو ذاك. لم يجد الاشتراكيون صعوبة في «فكفكة شيفرة» مشهد «الانقلاب الأخير»، بل زادهم قناعة بأن البيت «الجنبلاطي» هو الحصن المنيع، ومصدر الأمان، كما يقول بعضهم. تساؤلاتهم استفسرت عن الغد: إلى أين؟ كيف نحمي السلم الأهلي؟ ونصون الوحدة الوطنية؟
رئيس «جبهة النضال الوطني» الذي لطالما ربط المحكمة الدولية والاستقرار مساراً ومصيراً، راح أمس باتجاه «فصل التوأمين»: مسار العدالة لم يعد ملازماً للاستقرار!
واعتبر جنبلاط في بداية الجمعية العمومية الاستثنائية «أنه اراد من هذا الاجتماع الحزبي الداخلي، شرح بعض المحطات التاريخية السياسية المهمة في تاريخ الحزب وفي المحطات الاساسية ولمناقشة تفصيلية حول كل المحطات التاريخية التي مررنا بها منذ العام 1958 الى العام 1982 وإلى 7 أيار وحرب الجبل وغيرها من المواقع، ولذلك كان لا بد من نقاش ديموقراطي مع العائلة الحزبية».
وتلا امين السر العام في الحزب المقدم شريف فياض البيان الصادر عن الجمعية، وأكد فيه ان»الحزب مستمر في الخط الوطني والعربي المتمثل بالعلاقات المميزة والاستراتيجية بين لبنان وسوريا وحماية المقاومة، وهو على تحالفه معهما في الثوابت الوطنية الكبرى، وسيتعاطى مع المرحلة المقبلة انطلاقا من هذا الموقف».
وأعلن عن تمسك الحزب باتفاق الطائف الذي اقر بشراكة ورعاية سورية – سعودية»، مشيرا إلى تغيير مسار المحكمة الدولية بفعل التسريبات والتسجيلات المهربة والتي تثبت انحرافها عن مسار العدالة، وقد اصبحت نقيضا للاستقرار».
وأشار الى ان الحزب «يجدد تمسكه بالسلم الاهلي الذي ضحى في سبيله في عدد متلاحق من المحطات ليس آخرها موقفه السياسي الاخير الذي جنب البلاد خطر الانزلاق نحو الصدام الداخلي وأسهم في شكل كبير في تنفيس حالة الاحتقان القائمة منذ فترة زمنية غير قصيرة، على أمل في ان نذهب جميعا نحو المسارات الدستورية والمؤسساتية في عملية تأليف الحكومة الجديدة».
من جهته، كشف مفوض الاعلام في الحزب رامي الريس أن «الحزب التقدمي الاشتراكي سيعقد جمعية عمومية أخرى في وقت ليس ببعيد تناقش بصورة معمقة ومفصلة مختلف العناوين السياسية والتنظيمية بعد أن تكون لجنة قيادية من الحزب قد وضعت تقريرا سياسيا موثقا يبرز الدور التاريخي للحزب في الحياة السياسية اللبنانية والعربية والدولية».
السفير

  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية
find us on facebook
find us on facebook
follow us on twitter

كلماته الدلالية:

وليد جنبلاط

قيّم هذا المقال

0